بقلم : أ. ع. عبـد الإلـه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

يقولُ القرآنُ الكَريمُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]. واختلف العلماء حول تفسير وتفاصيل وأبعاد مبدأ “أَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ”، وخاصة في حالة وصول ديكتاتور مستبد إلى الحكم. فاستناداً إلى هذا المبدأ نفسه تجد من يؤيده وأيضاً من يعارضه. ولكن ما هو الموقف الصحيح من الاستبداد بحسب تعاليم القرآن الكريم والفقه الإسلامي؟ سنستعرض هنا وجهتي النظر المتناقضتين، بموضوعية، وأُولي الألباب يصلون إلى استنتاج ومعرفة الموقف الصحيح الذي سيحاسبون عليه أمام الله يوماً ما.

تأييد الاستبداد:
ابتُليَت عدَّة بلدان عربيَّة أو إسلاميَّة بنظامٍ دِيكتاتُوري مُستبدّ في حقيقته، مهما بدا متحضِّراً في ظاهره. فاستولى فيها حاكمٌ أو جماعةٌ على الحكم بالقوة والإكراه، وحافظت على استمرار طغيانها ووجودها بالعنف والقمع والاستبداد وتأييد بعض “علماء الإسلام” لهم. فمن يؤيدون النِّظام المستبد في أي دولة، علماء كانوا أم مواطنين عاديين، سواء عن قناعة منهم أم عن خوف وإذعان، يبرزون النصوص والتفاسير التي تؤيد “طاعة ولي الأمر” مهما كان شكل سلطانه، وتطالب الرعية أو الشَّعب بإطاعة الحاكم أياً كان، والامتثال لأوامره في العُسر واليُسر. ويبررون رأيهم أو استنادهم الشَّرعي إلى مبدأ طاعة ولي الأمر والصبر على ظلمه هروباً من الفتنة. وبذلك يسوغون شرعية الاستبداد، ويتغاضون عن نصوص تحريم الظلم، والنهي عن أكل حقوق الناس وأموالهم، وهتك أعراضهم. واستناداَ إلى اعتبارهم أن سلطتهم هي من الله، فإن الحطام المستبدون، وبعد أن يضمنوا المؤسسات الدينية ودور الفتوى تحت جناحهم، فإنهم يؤسسون أجهزة أمنيَّة تقوم على القمع والاضطهاد والتعذيب، ويسخِّرون الإعلام لزخرفة باطلة بمظهر الحق، ولإضفاء هالة من القدسية والجلالة على الحكام، بحيث أنك تُعتبر كافراً إن خرجت عليهم أو اعترضت على أحكامهم، حتى الباطلة الظالمة منه. وهكذا يضمن الحاكم المستبد وقوف السلطة الدينية والسياسية والإعلامية إلى جانبه.
معارضة الاستبداد:
ولأن الإسلام هو دين الحق والعدل، جاء ليرسخ مبادئ العدل والشورى، وليحارب الطغيان والظلم والاستعباد، ويحمي حقوق الناس، ويخرجَهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فقد كان لزاماً على عُلماء الدِّين، في كل زمان ومكان، الصَّدع بالحقِّ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: 94]، والتَّنديد بالظلم والعدوان والاستعباد، والجهر بكلمة الحق أمام المستبدِّين، إذ “أفضلُ الجِهادِ كَلمةُ عَدلٍ عند سلطان جائرٍ”، كما نُقِلَ عن النَّبي.
ففي الواقع، إنَّ تشريع الاستبداد قام على إبراز بعض النُّصوص الشَّرعية مفصولة عن سياقها، وإغفال نصوص أخرى، وتركيز الضوء على نصوص الطاعة، والتغاضي عن نصوص تحريم الظلم. فالآيةُ تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، وهذا يعني أن كلام الله يجب أن يُطاع بالدرجة الأولى أكثر من كلام أولياء الأمور، فهل يرضى الله الرحمن الرحيم أن يَظلِمَ أيُّ بشريٍّ عبيدَه أو أن يستبدَّ بهم؟ حاشى لله. وعلى حدِّ قول النبي: “لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مُعصيةِ الخَالِق”، وأيضاً: “السَّمْعُ والطَّاعَةُ حَقٌّ على المرْءِ فيما أحَبَّ أوْ كرِهَ، ما لَمْ يُؤْمَرْ بمَعْصِيَة، فإذا أُمِرَ بمَعْصِيَةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ” (البخاري، 7144). الطَّاعة لولاة الأمور أو الحكَّام واجبةٌ شرعًا إلا إن كانوا سيرتكبون معصيةً أو ظلماً أو استبداداً نحو أيِّ إنسان بدون وجه حقّ، فهنا تُحرَّم طاعتُهم. فإنْ كانَ الحاكمُ لا يُطيع الله لا يجب أن يُطاع. ومن أَمرَ بخلاف ما جاء به الرَّسول، فلا سمع له ولا طاعة. وأيضاً للطاعة شروط، كما أكَّد النبي العربي أيضاً: “لا طاعةَ في معصية الله، إنَّما الطَّاعَةُ في المَعرُوف” (البخاري، 4،355). فما دام الحاكم عادلاً يحرم الخروج عليه، وإن كان باغياً مستبداً يجب الاعتراض عليه. ولا ننسى قول الفاروق العادل (عمر بن الخطاب): “متى استعبَدْتُم النَّاس وقد ولدَتْهُم أمَّهاتهُم أَحراراً؟”

مواصفات الحاكم العادل في الإسلام:
يجب أن يكونَ ولِيُّ الْأَمْرِ، الحاكمُ أو العالمُ أو الأمير، عادلاً ومطيعاً لله، حتى لو لم يكن مُسلِماً، وبهذا يستحق الطاعة. يقول رسول الإسلام: “اسْمَعُوا وأَطِيعُوا، وإنِ اسْتُعْمِلَ عَليكُم [وُلِّيَ عَليكُم/أُمِرَ عَليكُم] حَبَشِيٌّ، كَأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ، ما أقامَ فيكُم كتابَ اللهِ” (صحيح البخاري، 696). أي حتى ولو كان الحاكمُ أو الوالي رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ، أي أسودَ اللون أو أجعد الشعر، أو حبشيًّا (أي مَسيحيًّا)، أي مهما كان جنسه أو لونه أو دينه، يَجبُ على الرَّعيَّة- أو المواطنين- إطاعته، طالما أنه يقود النَّاس بكِتابِ اللهِ تعالَى، ولم يَأمُرْ بمَعصيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
واجب المرء تجاه الاستبداد والمستبد:
الكمال لله وحده. وما من إنسان كامل، وكلُّ إنسان عرضةٌ للوقوع في حب السُّلطة والزعامة والسيادة، ما قد يودي إلى الانغلاق على الذات والتَّعامي عن الحق والعدل. بالمقابل، يجب على كلِّ إنسان النَّهي عن المُنكَر والقباحة حتى وإن بدرت من الحاكم أو السلطان. وينبغي على كلِّ امرئٍ توخِّي الحكمة، والأسلوب الحسن في النُّصح، سواء في التعامل مع عامة الشعب أو مع ذوي الجاه والسلطان.
يقولُ النبي محمد: “مَن رأَى مِنكُم مُنْكَرًا فليغيِّرْهُ بيدِه، فإنْ لم يَستطعْ فبلِسَانِه. فإن لم يَستطعْ فبقلبِه. وذلك أَضعفُ الإيمانِ” (صحيح مسلم، 49). وهذا يعني وجوبَ ومشروعيَّة الاعتراض على ولاة الأمور، وانتقاد سلوكهم، وردعهم عن الظلم، ودعوتهم للرجوع عن غيِّهم واستبدادهم، بكل وسيلة، وبحسب القدرة. فواجب المرء أن ينبِّه الحاكم ويلفت انتباهه إلى أيَّة مظلمة، لا أن يصمت عند رؤية الظُّلم، “السَّاكت عن الحقِّ شيطانٌ أخرس”، والويلُ لمن يرى المُنكَرَ فلا يُغيِّره، وكما قال الرَّسول: “إنّ الناس إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذُوا على يدَيهِ، أَوشكَ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ منهُ” (الترمذي، 2168).
هناك أخطاء يرتكبها الحاكمُ يُمكن تصويبها عند تقديم النُّصح اللَّطيف له. ولكن هناك ارتكابات استبدادية يرتكبها الحاكم تتعارض مع حقوق الإنسان ومع كرامة الإنسان، وخاصة الانتهاكات المتعمَّدة، ومخالفة وصايا الله وشريعته، وارتكاب الفساد، وزهق أرواح الناس ظلماً، فهذه لا يمكن السُّكوت عنها، بل يستوجب عدلُ الله وحرية الإنسان أن يُقالَ الحاكم الجائر المستبد أو الفاسد، أو حتى الحكومة كلها، وأن يُعزل ويُستَبدلَ بحاكم عادل، لأنه لم يَقُم بوظيفته في خدمة الشَّعب، عباد الله.

ولنا في التاريخ القديم والحديث، أمثلة عديدة عن وجوب إقامة العدل ورفض الاستبداد والظلم. ومثال على ذلك، في بدايات الإسلام، ما قاله أبو بكر الصديق في خطبته المشهورة: “أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاس، فإني قَد وُلِّيتُ عليكُم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوِّموني …… أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولِه، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
أخيراً نقول، الاستبداد ليس فقط نتيجة عجرفة واستبداد وعنجهية المستَبد، بل إنه أيضاً نتيجة خنوع وإذعان الشعب إزاء الظلم والتمييز والإقصاء وسكوتهم عن الاستبداد، بسبب التَّرغيب أو التَّرهيب، أو اللامبالاة السَّلبية. وكلا الأمرين خطأ. فهذه السَّلبية تخلق أرضاً خصبة للاستبداد والديكتاتورية، وتشجِّعُ على الفرديَّة والاستئثار بالسُّلطة وارتكاب المظالم بحق الشَّعب. وكما يقول المثل: “سألوا فرعونَ: من فرعَنَكَ، فقال: لم ألقَ مَن يردُّني فتفرعَنْتُ”. فلنعقلّها ونتوكَّل.
((جزاكُـم اللـهُ خيـرًا كثيـرًا))





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
