آخر الأخبار

[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

بقلــم : فيكتـور إميسـايـان

“لا بأس، ننتظرُ ونَرى”

عندما خلعَ أبو محمد الجولاني- زعيم هيئة تحرير الشام الإسلاموية- عباءَته القديمة، وارتَدى طقمَ الرَّئيس الشَّرع، وربطةَ عنقٍ، وأراد اختيار الحكومة الأولى، الحكومة المؤقَّتة، شاءَ أن يُقيمَ على سوريا- التي “فتحوها” للتوِّ- وزراءَ حكومته السَّابقة التي كانت في “إمارة” إدلب، مبرِّرًا ذلك بأنَّه جديدٌ في دمشق، ويصعب عليه الآن أن يثقَ أو يتعاملَ بسرعة في إدارة البلاد وتولِّي شؤون العِباد، إلا مع من يعرفُهم جيِّداً ويثقُ بهم.

فقال الشَّعب: “لا بأس، ننتظرُ ونَرى”.

ثم أعلنَ الجولاني/الشرع عن تأسيس لجنة تحضيرية للحوار الوطني السُّوري. كان الرجال الخمسة في اللجنة من نفس التَّيار الإسلامي.، كما مُخرَجَاتُ اللقاءات.

فقال الشَّعب: “لا بأس، ننتظرُ ونَرى”.

 وكما كان متوقعًا تمامًا، كان اجتماعًا شكليًّا فلكلورياً صُورياً، بلا قيمة، ولا يستحق حتى ثمن وليمة شخصٍ واحدٍ من العشاء الفاخر الذي تناوله المدعوُّون. كان جميع الحاضرين في وادٍ، بينما كان أصحاب القرار في وادٍ آخر. كانت المقرَّرات مُعَدَّةً مسبقًا، وقُرِئَت على مسامع المؤتمرين دون اعتراض، لأنَّ “النُّخبة” المدعوِّين إلى المؤتمر الشَّكلي هذا كانوا أشخاصًا من جماعة “السَّمع والطَّاعة”، لا يرفضون ولا يعترضون ولا يستنكِرون. ونتج عن ذلك مبادئ سياسيَّة عامَّة أقرَّتها مجموعة اللون الواحد.

فقال الشَّعب: “لا بأس، ننتظرُ ونَرى”.

ثم اختار الجولاني/الشرع سبعةَ قانونيين إسلاميّين (فقهاء شرعيِّين)، وأيضاً لا قرارَ أو دور حقيقياً لهم ، ووضع البنود ومواد الدستور بين أيديهم بنفسه. أما هؤلاء الجهابذة السبعة، فكان دورهم “إنشائياً” فقط، أي مجرد صياغة هذه المواد، التي كان الجولاني/الشرع قد وضعها، في كليشيهات تشبه القوانين في ظاهرها، ولكن لا رأي لهم أو استشارة في ذلك (كما اعترفوا هم بأنفسهم منذ بدء مهمتهم). فكانوا بمثابة أحجار شطرنج يحركها القائد الجولاني/الشرع. وكانت نتيجة كل هذه الزوبعة دستورًا مشلولاً للبلاد، لا إعلانًا دستوريًا، كما كان مطلوبًا. وبالطبع، وبنفس الإخراج والسيناريو، جاءت جميع هذه البنود وفقًا لفكر ومعتقدات الجماعة الإسلاميَّة نفسها ذات اللون الواحد، ولم تُقنع أحدًا.

فقال الشَّعب: “لا بأس، ننتظرُ ونَرى”.

أخيرًا، وبعد جهدٍ جهيد وإصرارٍ عنيد، عيّن القائدُ الصنديد أحجارَ شطرنج جديدة في حكومةٍ إسلاميَّةٍ معتمة، ومطعَّمة بحبَّةٍ وطنية ترتدي الأبيض لها شعبية جماهيرية، إلى جانب بعض أخيلة المآتة. وكما توقَّع الجميع، وبنفس خيبة الأمل المتكررة، لم تَرُق هذه التركيبة لأحد، ولم تنطلِ خدعة السَّاحر الماهر على أحدٍ،

 فقال الشَّعب: “لا بأس، ولكن لن ننتظرُ ونَرى بعد الآن”.

“كفى”

لقد وصلَ البَلُّ إلى ذقون الزُّعماء الحكماء (أو بكلمات أخرى: بلغَ السَّيلُ الزُّبى)، فقادة الجماعات الأخرى الذين صبروا وضبطوا النَّفْسَ وانتظروا طويلًا، ولم يروا أيَّ تغيير أو أيَّةَ نيَّةٍ للتَّغيير، قالوا: “كفى، لقد صبرنا طويلًا، ولكن عبثاً. لا فائدة من الاعتراض والاستنكار والإدانة”.

لذلك، قرَّرَت الأحزاب الملوَّنة الأخرى بشكل صريح رفض ومقاطعة هذه الحكومة، ذات اللون الواحد المفضوح. فتمَّ إعلان هذا الرفض صراحةً بين جماعات شمال شرق سوريا، وجماعات جبل العرب وجنوب دمشق. وهناك بالتأكيد اعتراضٌ لا يخفى على أحد، وإن كان صامتاً، بين أهالي الساحل، وبين العديد من الطوائف والمكونات الاجتماعية الأخرى القليلة العدد.

هذه الحكومة، حكومة الجولاني/الشرع، تسيطر جغرافيًا على أقل من نصف سوريا وتفرض قراراتها وسياساتها على أقل من ثلث الشّعب السوري. عمليًا، يبدو أن التقسيم أصبح واقعًا ملموسًا، حتى وإن لم يكن رسميًا بعد. يبدو أن السيد الجولاني/الشرع وفريقه وجميع فئات ومكونات الشعب السوري يدركون ذلك ويرحِّبون به، بسبب خيبة أملهم من “حوار الطرشان”، وعلى الأقل لمنع الصِّراع والاقتتال بين الإخوة وسقوط ملايين الضحايا.

لأول مرة نجد جماعة الجولاني/الشرع تفكِّر وتخطِّط بطريقةٍ واقعيةٍ وموضوعيةٍ وواضحة وصريحة. فاستنتجوا أنَّ التَّعايش معهم غير ممكن، وتعايشهم مع الآخرين غير ممكن، في أكثر بلد عربي علماني، وأنَّ الحلَّ الصحيح ربما- هو التَّقسيم (أبغضُ الحلال)، إذ أنَّ “الطُّيور على أشكالها تقَعُ”. وهذه حقيقة عالمية. وهكذا “يزداد عددُ أصواتنا في مجلس الأمن والأمم المتحدة”، إذ تُصبح سوريا الآن خمس ولايات: سوريا الشمالية، وسوريا الشرقية، وسوريا الجنوبية، وسوريا الغربية. أما سوريا الخامسة، فهي سوريا الوسطى، التي تُسيطر عليها هيئة تحرير الشام وأخواتها.

وهذه الحكومة التي شُكِّلت للتو، يعرفُ الجميع أنَّها ليست حكومةَ “الجمهورية السورية” الواحدة الموحَّدة. وهيئة تحرير الشام- بقيادة الجولاني/الشرع، بشكل خاص، تعلم ذلك علمَ اليقين، وتخطِّط، وتعمل على هذا الأساس. و”من لا يعجبه الأمر، فليبلّط البَحر”.

ماذا بعد؟

أما بعد، فستبدأ كلُّ جماعة أو دويلة في سوريا بتأسيس وترسيخ سلطتها وحكومتها، وضمان جميع مقوَّمات أيَّة دولةٍ عادية مستقلة. ستستغني كلُّ جماعة أو دويلة مستقلة عن دولة الجولاني/الشرع المستقلة في وسط سوريا، وتدير شؤونها وفقًا لدستورها وحرياتها وأسسها التي تراعي موقعها الجغرافي وانتمائها الطائفي ومجتمعها المحلي. وسيختار كلُّ مواطنٍ سوريّ، بكل ديمقراطية وحرية، الدويلة والحكومة التي تناسبه، فيهاجر إليها ويأخذ الجنسية منها ويستقر فيها بإرادته الحرة. ستتشكل إدارات ذاتية تضمن للمواطن الحرية والديمقراطية والكرامة والازدهار ومقومات العيش الكريم، وفرص العمل، قدر الإمكان. وهكذا يكون المواطن في داخل/خارج حكومة الجولاني/الشرع ودولة سوريا الوسطى، الدويلة “الجارة” المعرَّضة للتَفتُّت والسُّقوط العظيم، كما سقطت بابل وروما والقسطنطينية، “وكان سقوطُها عظيماً”.

يقول أحد المحلِّلين الفكاهيين الخبثاء: “هذا التَّقسيم يروق لي، فهكذا سنحتفل بخمسة أعياد استقلال في سوريا الكبرى سنويًا. ألف مبروك”. وفي الختام نقول: اللهمَّ إنَّا لا نَسألُك ردَّ القَضاء، ولكنْ نَسألك اللُّطفَ فيه”.

وجــزاكُـم اللـه خـيــرًا كثـيــرًا.

  • Related Posts

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    بقلم: وائـــل الــراوي عن مصدر إعلامي: مظلوم عبدي بدلاً من الجولاني/الشرع تجري وراء الكواليس، مباحثات سرية غير مُعلنة بعد، بين الأطراف العديدة الفاعلة في المنطقة، تتناول فكرة تعيين مظلوم عبدي-…

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    إعداد : وائــل الــراوي في تصريحات له في وسائل إعلام إسرائيلية، كرَّر نتنياهو ما سبق أن قاله مراراً بأنَّ حكومته مستمرة في المضي قُدُماً في رغبتها بتغيير وجه الشرق الأوسط.…

    You Missed

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    • By
    • يوليو 21, 2025
    • 172 views
    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    • By
    • أبريل 24, 2025
    • 286 views
    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    الحكّام في الشام

    • By
    • أبريل 4, 2025
    • 277 views
    الحكّام في الشام

    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    • By
    • أبريل 1, 2025
    • 300 views
    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    • By
    • مارس 31, 2025
    • 243 views
    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!

    • By
    • مارس 30, 2025
    • 286 views
    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!