بقلم فيكتور إميسايان

الأسرة الدولية:
خلال حقبة النِّظام السابق المتمرِّس على خداع شعبه، وممارسة الكذب السياسي، والتلاعب وخلط الأوراق، أشاع النظامُ فكرةَ أنَّ هناك مؤامرة كونيَّة على سوريا، وذلك لبث الرُّعب في نفوس الشعب وتجييش التعاطف الشعبي معه. أما بعد سقوط النظام، فسرعان ما اكتشفنا أن المجتمع الدولي، وإن كانت له دائماً مصالح سياسية واقتصادية في أي تعامل مع أي دولة، إلا أنه يمكن أن يكون “أسرة” دولية صديقة وليست معادية لنا. وهذا ينطبق على الدول الغربية وأيضاً العربية الشقيقة على حد سواء.
وعود وشروط:
ما إن حلَّ السيد الشرع في القصر الجمهوري في سوريا حتى سارعت الدول الأجنبية والعربية إلى التواصل مع إدارة العمليات العسكرية، لتعرض خدماتها لأجل الشعب السوري، وبآن معاً شروطها فيما يتعلق بتعاونها واستعدادها للاستثمار الاقتصادي في سوريا، مع تأكيدها على ضرورة مطابقة الإدارة السياسية بين أقوالها وأفعالها. وهذا تجلَّى بشكل واضح في اللقاءات مع الدبلوماسيين وأيضاً في المؤتمرات الدولية التي تهدف إلى دعم سوريا. وفي حين كانت الإدارة السياسية السورية تطالب بإزالة كل العقوبات الدولية عن سوريا نجد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يجتمعون في بروكسل في 27 يناير، ويحجمون عن ذلك، بل يكتفون بتعليق العقوبات المفروضة على سوريا فقط وحالياً في مجالي الطاقة والنقل لمدة عام. وفي هذا الاجتماع أَعلَنَت مسؤولةُ السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، “كايا كالاس”، استراتيجيةَ “خطوة مقابل خطوة” التي يريد المجتمع الدولي اتباعها مع الشرع. ومنذ ذلك الحين راح المجتمع الدولي ينتظر الخطوة التي ستقوم بها إدارة الشرع، في تحقيق العدالة الانتقالية ومكافحة الإفلات من العقاب، والانتقال السلمي للسلطة، وتحقيق المصالحة الوطنية الداخلية، والحفاظ على السلم الأهلي.

الاختبار الأول:
بعد اجتماع العقبة، الذي دعا لعملية انتقالية سلمية سياسية سورية-سورية جامعة ترعاها الأمم المتحدة والجامعة العربية، جاء مؤتمر الرياض لمناقشة مستقبل سوريا وسبل استقرارها بعد سقوط نظام الأسد، وذلك بمشاركة وزير الخارجية السوري إلى جانب عدد من وزراء خارجية دول عربية وغربية وممثلين عن الأمم المتحدة. وبنتيجته عُرِضَت على الشرع خططٌ بشأن سوريا، وتضمنت – من بين أمور أخرى – الانتقال السلمي إلى نظام سياسي يمنح الحقوق والمشاركة لجميع فئات المجتمع السوري، فضلاً عن معالجة الجرائم القاسية التي ارتُكبت في العهد البائد. وتجدد فرض الشروط لحصول سوريا على دعم من الاتحاد الأوروبي، وتخفيف أو تعليق أو إزالة العقوبات. وكان من أهم الشروط، والتي وافق الشرع عليه بكل قناعة، إجراء حوار سياسي يضم جميع المجموعات العرقية والدينية، وجميع المواطنين، واتخاذ حكَّام سوريا الجدد خطوات لتشكيل حكومة شاملة تشمل وتحمي الأقليات. والبارحة كان مؤتمر باريس لدعم سوريا، استتباعاً للمؤتمرات السابقة، وكان هذا المؤتمر أول اختبار للإدارة السورية الجديدة بعد مؤتمر دافوس. لكنَّ المراقبين العرب والأوروبيين والأمريكيين لا حظوا أن “الخطوة” التي كان يُفترضُ في الإدارة السورية الحالية أن تقوم بها، لم تكن كما ينبغي. فلم تكن الإجراءات التي قام بها حكّام سوريا تمثل فعلاً عدالة انتقالية، بل طغت عليها ممارسات تعسفية وطائفية، واعتقالات عشوائية، وأعمال انتقامية، وانتهاكات لحقوق الإنسان وكرامة العديد من المواطنين. فتم اعتقال آلاف المواطنين بتهمة أنهم من “فلول” النظام السابق أو مرتكبين لجرائم خلال الحقبة الماضية، وتم التحقيق مع بعضهم، وليس جميعهم، وإطلاق سراح البعض، ولكن كل ذلك بدون محاكمات، إذ لم تُعيِّن الإدارةُ السورية بعدُ أيَّةَ هيئة قضائية مختصة بهؤلاء المواطنين لأجل محاكمتهم محاكمة عادلة. كما وأن الكثير من المواطنين تعرضوا للإهانات وسوء المعاملة، بل إنَّ بعضَهم قُتِلَ تحت التعذيب، حتى قبل إدانته، وتم إعدام بعضهم ميدانياً بلا محاكمة، وارتُكبت مجازر في حق أناس أبرياء. وفي المقابل، وهذا موضع استغرابٍ واستنكارٍ من قِبَل الشعب، قامت الإدارة السياسية الحالية، وبدون مبرر واضح، بإطلاق سراح عدد من رجال أعمال متعاونين مع النظام السابق أو المجرمين من عهد النظام السابق المسؤولين عن مجازر وارتكابات فظيعة واعتقالات وتعذيب وحشي في عهد النظام البائد.
الحوار الوطني:
وكان من المتطلبات الهامة أيضاً من الإدارة السورية، وضع دستور للبلاد وانتخاب برلمان وتعيين حكومة مؤقتة، وهذه لم تتم حتى الآن. وحتى المحاولات الأولية والإجراءات المتخذة حتى الآن ليست جدية، أو على الأقل كما يجب أو كما يُتوقَّع. فالرئيس الشرع تدارك المسألة وفي آخر يوم قبل مؤتمر باريس، فعيَّن لجنةَ تحضير لمؤتمر الحوار الوطني. ولكنه فشل في تحقيق المعايير المفروضة. فاللجنة مكونة من سيدتين وخمسة رجال. والرجال هم من لون واحد، إسلاميون متشددون وكلهم من أتباع الشرع بشكل أو بآخر، وليسوا من أطيافٍ سوريةٍ مختلفة كما وَعَدَ الشرعُ وكما طالب المجتمع الدولي. وهذا يعني أن الذين سيُدعونَ إلى مؤتمر الحوار ستكون الغالبية الساحقة منهم إسلاميين، وكذلك البرلمان، والحكومة القادمة، والرئيس القادم- أي في الظاهر ديمقراطية وفي الحقيقة فردانية. وبينما قال الشرع أنه يتحاور مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ويتفاوض معهم وأنَّ الحكومة ستكون شاملة من كل الأطياف، يطلع المتحدث باسم لجنة التحضير لمؤتمر الحوار ليقول إنَّه لن يتمَّ إشراك قوات قسد (المؤلفة من أكراد وعرب ومسيحيين سريان وغيرهم) في المؤتمر. وبالتالي فهذا يعني أنَّ أهل شمال شرق سوريا وجنوبها وجبل العرب وبعض مناطق الساحل، أي سكان حوالي ثلث سوريا (ما عدا النازحين واللاجئين)، لن يشاركوا في الحوار، وهذا لا يجوز.

خيبة أمل:
وبالتالي فإن إدارة الشرع لم تقم بالخطوة (أو الخطوات) التي يطلبها المجتمع الدولي، ومن الطبيعي ألا يُقْدِمَ المجتمعُ الدولي على “خطوة مقابلة”. وهذا الوضع عموماً نجد انعكاسه بشكل واضح في خيبة أمل المؤتمرين في باريس، الذين كانوا يعملون جاهدين لتأمين الدعم السياسي والاقتصادي لسوريا الجديدة، وبدء إزالة العقوبات تدريجياً عن سوريا. فتركيا (التي يفترض أن تكون أكبر داعم لسوريا) لم تحضر إلى المؤتمر، رغم توجيه دعوة رسمية إليها، وهذا لأنها كانت تعترض مسبقاً على ما سيقرره المؤتمر (خاصة بالنسبة إلى قسد)، وأمريكا أيضاً لم تحضر رسمياً، واكتفت بأخذ دور المراقب للمؤتمر، وحتى إن ترامب رفض التوقيع أو الموافقة على بيان مؤتمر باريس هذا. بالإضافة إلى ذلك، لم يقدِّم أي طرف في المؤتمر دعماً مالياً جديداً أو مساعدة مادية لسوريا. وحتى الـ 50 مليون يورو التي قدَّمتها فرنسا اليوم لدعم جهود الاستقرار في سوريا، ليست مساعدة جديدة، بل هي جزء من المساعدات التي ما برحت فرنسا تقدِّمها سنوياً لسوريا منذ عام 2018 من أجل مساعدة الفئات السُّكانية الأكثر ضعفاً، ولا سيما في المناطق الواقعة في الشمال الغربي والشمال الشرقي من سوريا. هذا وإن التصريحات التي أبداها الجانب الفرنسي في المؤتمر تدل على خيبة أمل المؤتمرين من الخطوات التي قامت بها الإدارة السورية حتى الآن. وفي ختام المؤتمر عادت فرنسا تؤكد المطالب والتوصيات التي يريدها المجتمع الدولي والعربي من الإدارة السورية.
توصيات ومراجعة:
يمكن تلخيص هذه التوصيات التي خرج بها مؤتمر باريس بالنقاط التالية:
1- المجتمع الدولي والشركاء الدوليون، ومن أجل الاستثمار في سوريا، يحتاجون لتطمينات وضمانات بأن إدارة الشرع “يستمعون إلى رسائلهم” ويتجاوبون مع طروحاتهم فيما يخص المسار السياسي الانتقالي.
2- التأكيد على انتقال سلمي سريع وشامل للسلطة، بروح المبادئ الأساسية لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، وتشكيل حكومة شاملة تمثل جميع مكونات المجتمع السوري وتشمل النساء.
3- ضرورة وضع جدول زمني واقعي وواضح وشفاف لانتقال السلطة السياسية والالتزام به، يشمل الإصلاح الدستوري وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بالتنسيق مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا.
4- يجب أن تُجري الإدارة السورية حواراً داخلياً صريحاً وجدياً، وأن ترسخ مبادئ التسامح والتعايش السلمي، ومنع خطابات الكراهية والعنصرية والتمييز بين الجنسين، والتطرف، وذلك بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2686، والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع.
5- يجب أن تلتزم الإدارة السورية بتعهداتها في المحافظة على استقرار لبنان ودول الجوار.
6- عدم السماح بعودة ميليشيات إيرانية إلى سوريا، الأمر الذي سيزعزع السلم والأمن في سوريا وجوارها.
7- يجب وبكل تأكيد دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في القوات السورية (الجيش والأمن وغيرها)، كما ويجب إشراك جميع مكونات الشعب، وخاصةً الأكراد، في العملية السياسية في سوريا.
8- يجب أن تستمر سوريا في محاربة الإرهاب وعدم السماح بجعل سوريا قاعدةً أو منطلقاً للجماعات الإرهابية.

“الخطوة” التالية:
أكدت فرنسا أنها سوف تسمح بسفر اللاجئين السوريين إلى بلدهم والعودة، وبأنها سوف تستمر في دعم سوريا لتحقيق الاستقرار ومتابعة مجريات الأمور في الفترات القادمة، وحذَّرت من الانفلات الأمني وحملات الانتقام في سوريا. وكان الشرع قد وعد منذ البداية بأن حكومة تصريف الأعمال هذه التي اختارها يُفترَض أن ينتهي عملُها في 1 آذار. وعندها سيتم اختيار حكومة جديدة شاملة انتقالية، أو كما قال وزير الخارجية السوري تحديداً، حكومة شاملة ” ممثلة للشعب السوري قدر الإمكان وتراعي تنوعه”، على حد قوله (هذا التعبير الذي يثير الريبة- “قدر الإمكان”). فهذه هي الخطوة التالية لإدارة الشرع. والمجتمع الدولي والعربي يترقب وينتظر ليرى كيف ستكون عليه هذه الحكومة الانتقالية. وإضافة إلى ذلك، فإن المؤتمر الدولي في 17 آذار سيلاحظ النتائج ويناقش موضوع تعليق العقوبات والدعم المالي الذي سيقدمه أفرقاء المجتمع الدولي لسوريا، لأن هذه الخطوة ستكون المحك، والاختبار الجديد في استراتيجية (خطوة مقابل خطوة).
أمل ورجاء:
شارك في هذا المؤتمر ممثلون عن حكومات فرنسا وسوريا والبحرين وكندا ومصر وألمانيا واليونان والعراق وإيطاليا واليابان والأردن والكويت ولبنان وعمان وقطر والسعودية وإسبانيا وتركيا والإمارات وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والمبعوث الأممي الخاص إلى سوريا والأمين العام لجامعة الدول العربية والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، والولايات المتحدة (تمثيل من الدرجة الثانية “منخفض”)، وكما قلنا الولايات المتحدة لم تشارك في البيان الختامي ولم توافق عليه.
رغم أن المؤتمرين في باريس خاب أملهم في خطوات الإدارة السورية حتى الآن، وكذلك خاب أمل السوريين في المؤتمر، إلا أنه تبقى هناك فرص أخرى أمام الإدارة السياسية لكي تُعيد النظر في إجراءاتها الماضية أو التالية. وإننا نأمل أن تسير كل الخطوات المطلوبة المزمَعة على ما يُرام، وأن تتطابق مع أقوال إدارة الشرع، وتحقق الاستقرار والازدهار لسوريا.
واللَّــهُ وِلـِيُّ التَّـوفِيــق





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
