بقلـم : أ. ع. عبـد الإلــه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

هناك خَلطٌ في استخدام وفهم بعض العبارات والمصطلحات التي يستخدمها السُّوريُّون حاليًّا. وسوء الفهم هذا يؤدِّي إلى خلافٍ وتوترات بين مختلف المواطنين، أو بين الشَّعب والسُّلطات، وخاصَّة ما يتعلق بـمصطلح “الدَّولة الإسلاميَّة” و”الدَّولة المدنيَّة” وأيضاً “الدولة الإسلاموية” (أي الدولة الدِّينية المتطرفة أو ما شابه من صفات).
عندما يقول البعضُ أنهم لا يريدون لسوريا أن تكون “دولة إسلاميَّة“، فإنهم لا يقصدون القولَ إنَّهم يرفضون وجودَ الدِّين (أو الدِّين الإِسلامي) في سوريا، إذ إِنَّهم في الحقيقة يَقبَلُون كلَّ الأديان وحريَّة الاعتقاد والتَّدين، مثل معظم دول العالم تقريباً، لكنَّهم يقصدون أنَّهم لا يرغبون أن تكون سوريا “دولةَ خِلافَةٍ” (أو كما تُسمى “الدولة الإسلاموية“) مثل أفغانستان أو “دولَةً متزمِّتة أو متطرِّفة دينياً” مثل إيران. وسبب ذلك هو الطابع المدني المنفتح الذي يصبغ سوريا الحرة منذ نشأتها، بل منذ آلاف السنين. إذ إنَّ سوريا ظهرت فيها كل ديانات العالم تقريباً، القديمة التي اندثرت والحالية التي لا تزال حية. وفي جميع الأوقات والحقبات لم تكن هناك دولة من لونٍ واحد أو دينٍ واحد، بل كان أبناء كل الأديان يتعايشون مع بعض (ما خلا بعض منغصات مفتعلة كانت تنشأ، ولكن لا تلبث أن تتمَّ تسويتها بفضل حكمة وحنكة العقلاء).
وبسبب الخلط وتداخل المفاهيم والمصطلحات، نفهم الآن كيف أنَّ سيدة محترمة سافرة (غير محجَّبة) نراها على الفيديوات واليوتيوب، تؤكِّد، وبإصرار، على أنها تريد لسوريا أن تكونَ “دولةً إسلاميَّة“، بينما هي سيدة مُتبرِّجة، وليست محجبة، وترتدي الزِّينة، وتبدو غير متزمِّتة، بل وحتى تقول بلسانها إنها ترفض ارتداء الحجاب وتأبى فرض الحجاب على المرأة. يبدو أنَّ سبب ما نراه أو نظنه “تناقضاً” بين أقوالها وأفعالها، إنما هو سوء الفهم لما تعنيه “الدَّولة الإسلاميَّة” (التي تفهمُها السيدة المحترمة على أنَّها دولة متديِّنة – أي الدِّين فيها قائمٌ ومُعاشٌ ومُصان) على عكس الدَّولة المدنيَّة أو العِلمانيَّة (التي تفهمها السيدة – بالخطأ- على أنها دولةٌ ضدَّ الدِّين أو دولة ملحدة أو خليعة). ولكنَّ الفرق شاسع بين التَّعريفَين، والسُّوريون متِّمسِّكون جداً بالأخلاق الحميدة، والتعايش المشترك، والتسامح والمحبة، والتقبُّل للآخر، مهما كان انتماؤه الدِّيني أو السياسي أو الاجتماعي أو القومي أو العرقي، كما نرى في المجتمع السوري.

لعل أفضل تحديد لنظام الدَّولة المُراد لسوريا هو ما قاله السَّيد الشَّرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، إذ قال “إنَّ سوريا ليست أفغانستان”، وإنَّه ينشد تأسيس “دولة مدنيَّة تقوم على أساس شرع اللـه” أي دولة مدنيَّة (فيها حرَّية الأديان والعبادة) وتكون الشَّريعة أو الفقه الإسلامي أحد مصادر دستور البلاد، وخاصةً مع استمزاج رأي المواطنين أو باستفتاء الشعب، على حدِّ قوله.
لقد اكتسبَ مصطلح “الدَّولة المدنيَّة” اهتماماً خاصاً في السنوات الأخيرة، بسبب الاشتباك الحِواري في الشَّرق الأوسط، بعد ما يُسمَّى “الرَّبيع العربي”، وبعد وصول بعض الحركات الإسلاميَّة (مثل الإخوان المسلمين) إلى الحُكم في مصر لفترة زمنية، تولَّى فيها محمد مرسي الرئاسة، وذلك بعد ثورة 25 يناير. وتزايد منذ ذلك الحين هذا الجدالُ حول مفهوم الدَّولة وهويتها. واستمرَّ الاختلاف حول ذلك قائماً بين الأفرقاء (حتى الإسلاميَّة منها) رغم محاولاتٍ واجتهاداتٍ معاصرة لإيجاد فهمٍ مشترك لفكِّ التَّناقض وتوحيد الموقف. ولكنَّ غموض النَّظرة وعدم وضوح الرُّؤية، إضافةً إلى مؤثِّرات أخرى عديدة، أدَّت إلى ترسيخ الخِلاف والتَّناقضات في الفكر السياسي عند البعض.
والآن هناك بعض الإسلاميين (وبعض المسلمين) يرفضون هذا المصطلح، “الدَّولة المدنيَّة”، بينما هناك آخرون يرون أنَّه صيغةٌ فكريةٌ تجمع الأهداف الأساسيَّة للشَّريعة الإسلاميَّة مع خلاصةِ ما توصَّل له التَّطور الإنساني في منظومة القوانين والدَّساتير الضَّرورية لضبط العلاقة بين الحكَّام والمحكومين وإحداث التَّوازن بين السلطات. يبدو أنَّنا في حاجة إلى فترة زمنيَّة ومزيد من الحوار الهادئ بين الأطراف لأجل التَّوصل إلى فهمٍ مُشتركٍ لمفهوم الدَّولة المدنيَّة وكيفيَّة تطبيقه بسلاسة في البيئات العربيَّة والإسلاميَّة.

“الدَّولة المدنيَّة” ليست مُصطلحاً سلبياً، كما يظن البعض، بل بالعكس، إنها دولة تناسب العصر في كل المجتمعات، وتضمن الحرية والاستقرار والاندماج الاجتماعي بين كل الفئات. ذلك أنَّ الدَّولة المدنيَّة تعتمد المعايير الخمسة التَّالية: (1) تمثيل إرادة الشعب (أو المجتمع)، و(2) أنَّها دولة قانون و(3) تعتمد على نظامٍ مدني يضمن الحريات، وفيه تعدّدية وقبول للآخر، و(4) تعتبر جميعَ المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، و(5) تلتزمُ بالدِّيمقراطيَّة، ومشاركة الجميع، والتَّداول السِّلمي للسُّلطة.

الدَّولة المدنيَّة والدَّولة الدِّينيَّة ليستا متناقضتين بالمطلق أو بالضرورة، كما يظنُّ البعض. الفرقُ بينهما هو أنَّ الدَّولة المدنيَّة تستند في الحكم والتشريعات إلى الدستور (العقد الاجتماعي)، الذييتَّفقُ عليه الشَّعبُ، والذي يكون أحدُ مصادره الشريعة (أو الشرائع الدِّينية المختلفة)، وتستند في الحكم عموماً إلى قرار الأغلبية وتأخذ بالاعتبار آراء الشعب في تحديد التشريعات وفي انتخاب الحاكم، بينما ترى الدَّولةُ الدِّينيَّة أنَّ مصدر تشريعاتها الوحيد هو الشَّريعة الدِّينية فقط، وأن سلطتَها مُطلقة لأنَّها تستمدُّها من الحقِّ الإلهي الذي ترى أنه قد أُعطِي لها حصرياً. وبالتالي يمكن التَّوفيق بين المصطلَحَين (وتمييزهما عن الدولة الإسلاموية). إذ يمكن أن تُصاغ القوانين الدِّينيَّة في بيئة ديمقراطيَّة على شكل قوانين مدنيَّة يتم التَّوافق عليها، مع التَّمييز بين الشَّريعة الدِّينية الملزِمة للإنسان المؤمن أو المتديَّن (باعتبارها من وضع إلهي)، والدستور الدنيوي أو القانون المدني المُلزِم للمواطنين جميعاً (باعتباره من وضع بشري). وهذا التوافق بين المصطلَحين يَشترطُ فهماً لمعنى الدِّيمقراطية وآلياتها مع فهمٍ لمقاصد الشَّريعة (الإسلاميَّة أو غيرها). أعتقد أنَّ هذا التَّوافق بين المصطَلَحَين هو ما نجده الآن في نظام الحُكم المشهود له والناجِح منذ عَقدٍ في المملكة العربيَّة السعوديَّة تحت سلطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإلى حد كبير في النظام العلماني في تركيا. إنه أمرٌ معقولٌ ،ممكنٌ، ومطلوب، يمكن أن يتدبَّره ويحقِّقَه أصحابُ الإرادة وأُولي الألباب.
واللَّـه وَليُّ التَّوفيق





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
