بقلـم : أ. ع. عبـد الإلــه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

نلاحظ في هذه العقود الأخيرة، وخاصةً في الشرق الأوسط، نشوء جماعات إسلاميَّة أو “إِسْلامَوِيَّة”، كما يصطلح البعضُ، أي جماعات تسعى لتأسيس دولة سَلَفِيَّة متطرِّفة تُحاول أن تطبِّق ما تُسمّيه مبادئ “الشَّريعة الإسلاميَّة” أو “الفِقه الإسلاميّ”. ولكن هل هناك في الإسلام أو في “الشريعة الإسلامية” تعاريف واضحة لأسس الدولة استناداً إلى القرآن الكريم؟
البعضُ يذهب إلى القول إنَّ النَّبي محمدًا لم يكن ينوي تأسيس “دولة دينية أو إسلامية”، ولذلك لم يَضع أُسُساً أو مبادئ لتأسيس الدولة أو لنظم الحكم فيها. والبعض الآخر يلجأ إلى التأويل والتَّأوين لنصوص القرآن وأحاديث الرسول، ليبني عليها أسسَ دولةٍ. وأما الفريق الثالث فيقول إنَّه ظهرت وتطورت عبر التاريخ الإسلامي مبادئُ تتعلَّق بالدولة، وعلى هذه المبادئ التي وصلت إلينا يستندون في ممارساتهم وفي نظام حكمهم للدولة.
بنظرة موضوعيَّة معمَّقة إلى الأدب والكتابات الإسلاميَّة، نجد أن الشريعة الإسلامية أو التشريع الإسلامي نشأ استناداً إلى الأحاديث، والتي بعضها ليس مؤكداً أو “صحيحاً” في نظر المسلمين والباحثين. ولكنَّ “أحكام التشريع” في القرآن قليلة جداً، وكانت تتناول، في معظمها أحكام وشروط وشرائع الطهارة، والصلاة، والعبادة، والصيام، والحج، والزكاة، والتعامل مع الإخوة في الإيمان ومع الغير، وأيضاً الزواج والطلاق، والإرث، والتعامل التجاري الشريف وغيرها. وهذه كانت واضحة، ولا تتغيَّر مع الزمن، ولا حاجة إلى “الاجتهاد” فيها. وأما موضوع الدولة ومؤسساتها وآليات إدارتها وطبيعة نظام الحكم فيها وما شابه، فلا نجد تفاصيل كثيرة فيها في الأساس، بل نجد بعض التوصيات عن الشّورى والعَدل في إحقاق الحق.
الإسلام يتكلّم عن الشورى، مثلاً، استناداً إلى ما جاء في القرآن. فقد قال تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” [آل عمران: 159]، وقال تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” [الشورى: 38]. فالمشورة أمرٌ هام وواجب. وما أجمله أن يترافق مع الإيمان والصلاة، كما تقول الآيات الكريمة. ولكن الشورى تكون ضرورية أكثر ما يكون عند مواجهة أمورٍ لم يأتِ فيها نصٌّ من الوحي، ففي هذه بخاصةٍ يجب أن يتشاور الفقهاء والعابدون من أهل الدِّين المشهود لهم بالحكمة والتَّقوى والورع ومخافة الله. ونعلم أنه حتى النبي محمد استشار أصحابه وأصدقاءه في حوادث وأمور كثيرة، وكذلك فعل الأَئِمةُ بعد النبي. وبالتالي فإنَّ الكلام عن الشورى كان عامًّا بدون تفاصيل. وأما ما دخل إلى الشريعة الإسلامية لاحقاً فهو بفضل اجتهادات الفقهاء، وهؤلاء حددوا لاحقاً كيف تكون الشورى وكيف يكون شكلها وعدد أهل الشورى. وهذه التفاصيل ليست أحكاماً ثابتة أو “مقدَّسة”، بل يمكن تبديلها وتعديلها بحكمة الفقهاء أنفسهم، وهذا ما كان يجري عبر التاريخ.
والأمر نفسه ينطبق على موضوع العدل في الإسلام، فقد سَنَّ اللاحقون قواعدَ حول الحكم بالعدل، وكيف يتحقق، ومن الذي يطبقه، وضرورة فصل القضاء عن مؤسَّسات الدَّولة، ووجوب معاملة المتخاصمين سواسية أياً كان الخصم، كما توصَّلوا إلى إقرار وجوب استقلال القاضي في محاكمته للقضايا بموضوعية وحيادية، والشروط المفروضة على القضاة التي تستوجب امتناع القاضي عن العلاقات الاجتماعية وحضور الحفلات وقبول التقدمات المالية أو الهدايا (التي تعتبر رشاوى)، مع وجوب إعطاء راتب مرتفع للقاضي لئلّا يرزح تحت عوز أو فساد يؤثر على أحكامه وإنصافه.
وأيضاً، واعتماداً على الاجتهاد والاسترشاد برأي الفقهاء، حدَّدت الشريعةُ الإسلامية سبل تعيين الحاكم، وضرورة رضى الشعب عن الشخص المرشَّح لإدارة البلاد، وكذلك مسألة سنِّ القوانين، وتحديد العقوبات حسب الارتكابات أو الجرائم وطريقة تنفيذ العقوبات. كما وتبلورت أيضاً مفاهيمُ الحرية وسبلُ تحقيقها وصيانتها، وخاصة حرية الاعتقاد وحرية الرأي لجميع أفراد الشعب أو المواطنين، دون إكراهٍ ودون تمييز. إنَّ الشريعة الإسلامية التي تناولت تفاصيل بعض الأمور والقضايا وتناولت باختصار بعضها الآخر، ليست عاجزة عن تقرير كل ما يتعلق بأمور الدولة والحكم والمؤسسات والمعاملات، عن طريق الاجتهاد، والممارسة، والاختبار، وتقبُّل الاعتراضات والتحفظات من المواطنين ودراستها وإجراء تعديلات إزاءها ، وصولاً إلى الإدارة الأفضل وسعادة الشعب، لأنَّ الشَّعب هو موضوع السُّلطة والحكم وخيره هو هدفها. وبما أنَّ شعوباً أخرى (مُسلِمةً أو غيرها) اختبرت أحكام السُّلطة ووضعت أسساً لها، فلا بأس أن نستأنس بخبراتهم على الصعيد الإنساني، في الحكم، ونأخذ منهم ما يناسبنا بعد استشارة مجلس الشورى والفقهاء والحكماء مِنَّا. وهكذا تكون الدولة أو “الإدارة السياسية) مرنةً ،منفتحة على العالم، وتحقق للشعب الحرية والديمقراطية والرفاه، لا أن تتمسك بالسُّلطة بشكل مَرَضِيٍّ أو تلجأ إلى الاستبداد أو القمع والديكتاتورية. ولنا في عدة دول إسلامية إقليمية عبرةً ومثالاً نحتذي بها ونطبِّق منها ما يناسبنا ويتماشى مع أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. واللهُ دَوماً وَليُّ التَّوفِيق.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
