آخر الأخبار

[وجهة نظر] : الديمقراطيةُ فَشِلتْ في سوريا، والفيدراليةُ سَوف تنجح

بقلم : فيكتور إميسايان

عند دراسة الوضع الحالي الصعب في سوريا والذي يرزح تحته الشعب السوري، وكذلك الإدارة السياسية لسوريا بقيادة الشرع، الرئيس المؤقت، وخاصة في التقسمات والتوتر الطائفي بين مكونات المجتمع السوري، يمكن التوصل إلى النتيجة أنَّ الحكم الفيدرالي اللامركزي قد يكون هو الحل الأفضل لسوريا، خلافاً لرغبة الشرع وجماعة هيئة تحرير الشام التابعة له. أسباب اللجوء إلى الفيدرالية اللامركزية عديدة، وأهمها هي حرص جميع الأطراف على التمسك بموقعها ووضعها ومواردها.

يلاحظ القاصي والدَّاني، وبوضوح، الانقسامات داخل سوريا وتنوع الجماعات والفصائل التي تسيطر على مختلف أجزاء سوريا. فحكومة الشرع تسيطر على حوالي 52 % فقط من سوريا، وفي الشمال والشرق نجد أن السيطرة هي لقسد، القوية في تنظيمها وإدارتها وتسلحها، وإلى جنوبهم هناك قوات قبلية سنية لا تؤيد الشرع، ثم مناطق تخضع للدواعش. وفي جنوب دمشق هناك الدروز، وجنوب سوريا هناك قوات أحمد عودة وغيره من الفصائل التي ترفض الاندماج مع الجيش السوري، وفي غرب سوريا هناك الغالبية العلوية التي تلتزم بالهدوء على مضض ولكن، كما يُقال، هناك عدد كبير منهم (وخاصة ممن كانوا من مؤيدي النظام السابق) يتدربون في مناطق قسد، وعلى أيديهم، بهدف الانطلاق في ما بعد والسيطرة على مناطق الساحل وحماية العلويين الذين يتعرضون للكثير من الانتهاكات والاستفزازات الطائفية، وقد بدأوا بالفعل بالإعلان الصريح عن رغبتهم في الانفصال عن الشرع بإعلان مشروع تأسيس إقليم أوغاريت وغيره. وفي الشمال لا تزال هناك ميليشيات موالية لتركيا والتي تشكل “الجيش الوطني السوري”، إضافة إلى وجود الجيش السوري الحر (الذين انشقوا عن النظام السابق) والذين تجاهلهم الشرع واستبعد مشاركتهم معه في الإدارة. ليس هذا فحسب، بل إن هناك جماعات داخل المدن والمناطق التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام أيضاً ترفض الانضواء تحت راية الشرع، كما رأينا مثلاً مع الدروز في جرمانا- دمشق. هذه الجماعات كلها معظمها يكنُّ العداء للشرع وبالتالي هذه مشكلة كبيرة لا يمكن للشرع حلها بالشكل الذي يسعى إليه.

يخشى الشرع من “الفيدرالية” إذ يعتقد أنها “تقسم الأمة”، وتضعفها، كما حدث في العراق. لكن المشروع السياسي الذي يتبناه الشرع من أجل سوريا المركزية- كما فعل في إدلب- يتناقض مع الواقع الحالي على الأرض. ومحاولة الشَّرع دمج الفصائل والميليشيات والجماعات في جيش وطني سوري واحد، كما رأينا في الاجتماع الذي جرى في 29 يناير 2025، باءت بالفشل، ولم يتجاوب معه إلا بضعة فصائل هم أصلاً من جماعته: هيئة تحرير الشام. وفشل أيضاً في لقاءات الحوار التي أدارتها لجنة التحضير لمؤتمر الحوار، وحتى في مؤتمر الحوار نفسه، إذ أن جماعته دعت فقط من يوافقهم في الرأي أو من لا رأي له، وبالتالي كانت كلها ذات لون واحد ووصلت إلى مخرجات واحدة، تكاد تكون جميعها محضرة مسبقاً، رغم الادعاء باتباع ديمقراطية، لم تكن سوى “ديمقراطية شكلية” و”تمثيلية” ذات سيناريو أخرق مفضوح لا يمكن أن يخدع المواطنين في الداخل ولا الدول الأجنبية، التي اعتادت على تمثيليات ومسرحيات النظام السابق الفاشلة.

بسبب هذه الانقسامات في سوريا، وبسبب امتلاك هذه الجماعات المنفصلة عن الشرع لمعظم واردات سوريا، من نفط وقمح ومعادن، وغيرها، فإن الشرع لا يمكنه أن يجمع سوريا كلها تحت حكومة مركزية، وفي نفس الوقت يصعب عليه أن يقيم “دويلة” وسط كل هذه الجماعات التي تحيط به، خاصة أن هيئة تحرير الشام تسعى لإقامة دولة إسلاموية متطرفة وذات حكم مركزي وبيروقراطي مقيت لا يمكن لأيٍّ من المكونات الانفصالية الأخرى القبول بها. بالتالي هذا ما سيعزل “دويلة الشرع” عن كل ما حولها، ويضعها تعيش في ضائقة اقتصادية، لا يستطيعون معها الاستمرار في العيش أو في تأمين حاجات شعبهم، ولا يمكن لأي مستثمر أن يتشجع للدخول مع إدارة الشرع في مغامرة فاشلة بشكل واضح، بل إن المستثمرين سيفضِّلون كثيراً العمل والتعامل مع “الدويلات” أو “الكنتونات” الأخرى المستقرة الآمنة والغنية بمواردها وتمويلها.  

مما يرجِّح تشكيل دولةٍ سوريَّةٍ ذات حكم فيدرالي لا مركزي أيضاً هو حاجة كل الجماعات للتعاون الاقتصادي والتجاري مع بعضهم البعض، وخاصة بسبب الحاجة، مثلاً، إلى مصافي لتكرير النفط، والحاجة إلى منفذ إلى البحر لأجل الاستيراد والتصدير والتعاملات التجارية مع الدول الأوروبية (التي تمدُّهم بالدولار واليورو). إضافة إلى ذلك، إن الفيدرالية تسمح للطوائف الدينية المختلفة أن تتعامل مع بعضها البعض وأن تقبل بعضها البعض، بدون عدائية أو صراعات، بفضل حاجة الجميع إلى التعاون الاقتصادي الذي سينعش كل الفيدراليات السورية على مدى طويل ويضمن التعافي والاستقرار والازدهار.

في الواقع، إنَّ ما يشكّل الدول ويوحّدها أو يقسمها نفسها هو المصلحة أو المنفعة الاقتصادية، وكما أن الغني المترف لا يقبل مشاركة الفقير، في ثروته، كذلك يحدث على أرض الواقع. وأمام السيد الشرع فرصة أخيرة ربما لتوحيد سوريا، وإلا فإن البلاد ذاهبةٌ بلا محالة نحو الفيدرالية اللامركزية، التي ترضي الغالبية الساحقة من الشعب السوري، على ما يبدو. وإنَّ غداً لناظره قريب.

  • Related Posts

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    بقلم: وائـــل الــراوي عن مصدر إعلامي: مظلوم عبدي بدلاً من الجولاني/الشرع تجري وراء الكواليس، مباحثات سرية غير مُعلنة بعد، بين الأطراف العديدة الفاعلة في المنطقة، تتناول فكرة تعيين مظلوم عبدي-…

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    إعداد : وائــل الــراوي في تصريحات له في وسائل إعلام إسرائيلية، كرَّر نتنياهو ما سبق أن قاله مراراً بأنَّ حكومته مستمرة في المضي قُدُماً في رغبتها بتغيير وجه الشرق الأوسط.…

    You Missed

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    • By
    • يوليو 21, 2025
    • 243 views
    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    • By
    • أبريل 24, 2025
    • 328 views
    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    الحكّام في الشام

    • By
    • أبريل 4, 2025
    • 360 views
    الحكّام في الشام

    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    • By
    • أبريل 1, 2025
    • 341 views
    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    • By
    • مارس 31, 2025
    • 296 views
    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!

    • By
    • مارس 30, 2025
    • 321 views
    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!