بقلـم: وائــل الـرَّاوي

قبل أيام، عَقَدَت الفصائلُ المسلَّحةُ، التي تكوِّن مع هيئة تحرير الشام إدارةَ العمليات العسكرية، مؤتمراً خاصاً، قامت خلاله بتعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقاليَّة التي تمر بها سوريا، وأعلنت ذلك في نهاية المؤتمر. ثم ألقى السَّيد الشرع كلمةً، وجَّهها للفصائل وللشَّعب، حول أولويات سوريا الآن وحول آلية تحقيق ذلك. فُوجئ كثيرون، بل وانصعق بعضهم، من هذا القرار الذي لم يكن متوقعاً أو بالأحرى لم يكن متوقعاً الآن، بهذه السرعة، وفي مثل هذه الظروف.
سبَبُ هذا الاستغراب، وربما الصَّدمة، في الحقيقة هو أمل الشعب السوري، أو على الأقل ثقته بما كان الشرع يقوله ويعد به، من تشكيل حكومة تصريف أعمال لتسيير أمور الدولة مؤقتاً، ثم التحضير لمؤتمر وطني سوري، ثم صياغة دستور وطني، وإجراء استفتاء عليه، يليه انتخابات لبرلمانٍ ورئيسٍ للبلاد، وحكومةٍ رسمية تدير شؤون البلاد. في الحقيقة، إن الشعب السوري المنهك كان مثل الغريق الذي يتعلق بقشة، صدَّق ما سمع من الشرع، وهو يؤمن به، ويرجو أن يكون الشرع صادقاً في كلامه، وأن يحقِّق السيد الشرع للشعب الحرية والفرج الذي كانوا يرتقبونه بعد معاناتهم لسنين كثيرة من النظام السابق.

وإنَ تحليلاً بسيطاً موضوعياً لما كان يجري يُفسِّر، على ما أرى، حقيقةَ ما حدث والسِّرَّ وراء “تنصيب” الفصائل للشرع رئيساً انتقالياً. ففي الحقيقة، إنَّ مجيء هيئة تحرير الشام، والفصائل المنضوية تحتها، وسيطرتها السريعة على المدن السورية، وبدون مقاومة، كان أمراً مُخطَّطاً له منذ زمن، واستغلَّ المخططون اللحظةَ المناسبة لتنفيذ هذا المخطط، وكان ذلك في ظل ذلك الظرف آنذاك:
1- تقهقر وانهزام “الأذرع” الإيرانية في لبنان وسوريا.
2- بدء ظهور تحركات مريبة للدواعش من شرق سوريا في محاولة للتدخل والسيطرة.
3- توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.
4- الفترة الانتقالية بين الإدارتين الأمريكيتين لجو بايدن ودونالد ترامب.
5- تطمينات من أطراف خارجية بأن “الجيش السوري” لن يقاوم دخول الفصائل، بل سيسمح لهم بالدخول بسلام، كما حدث فعلاً.
فعندما استولت إدارة العمليات العسكرية على البلاد، كان ذلك عملياً وفعلياً نتيجة دخول هذه الفصائل المسلحة إلى المدن السورية حسب المخطط وبدون مقاومة عسكرية أو شعبية، وليس نتيجةً لحِراك “المعارضة” و”الثورة السورية” الذي بدأ عام 2011، مع عدم أنكار بطولة وجهود وتضحيات المعارضين والثوار. وبالتالي ما حدث في 8 كانون الأول 2024 ، لم يكن تماماً انتصاراً مباشراً للمعارضة أو للثورة، بل يشبه انقلاباً عسكرياً، وإن تمَّ بهدوء وبدون سقوط الكثير من الضحايا. فماذا يُنتظر، إذاً، من مجموعة تدخلت في الوضع الداخلي، وسيطرت على مقاليد الحكم؟ كان لا بد أن يحدث مما لا بد منه بدّ. فلا يمكن ترك الأمور “سائبة” بل يجب ضبط كل شيئ لتجنب المضاعفات الخطيرة من الفراغ والشواش. ولهذا كان تولي الهيئة بقيادة الشرع لزمام السلطة، وما يتلو ذلك بشطل طبيعي من تنصيب قائد القوة العسكرية أو “الحركة الانقلابية” رئيساً للبلاد، وفرض نظام الحكم الذي تريده، وتعيين الحكومة التي تريد لأجل قيادة البلاد وتحقيق مصالح الانقلابيين ومصالح الشعب بآن معاً.

في الواقع، وعلى ما يبدو، فإن السيد الشرع يرغب حقاً في تنفيذ تلك الخطوات التي أعلن عنها صراحةً والمقبولة من الجميع في الداخل والخارج: مؤتمر حوار، دستور وطني، انتخابات، وغيرها، ولكن اكتشف أن هذا يتطلّب وقتاً، كما يؤكد عدد من الحقوقيين والقانونيين والسياسيين أيضاً، بينما يمرُّ البلد بزمنٍ عصيب:
1- سوريا منهارة اقتصادياً وسياسياً، والشعب في حالة بائسة.
2- هناك توتر داخلي بين أفراد الشعب، وهناك ارتكابات وانتهاكات من قِبَل بعض الفصائل المسلَّحة (المنفلتة) وبعض “فلول النظام” الذين يصطادون في الماء العكر.
3- هناك ضغوط كبيرة، من كل الدول الأوربية والعربية تقريباً، التي تطالبه بإنجازات سريعة بالشكل الذي يريدونه، وإلا فلن يتعاونوا معه ولن يساعدوا الشعب السوري.
4- المطالبات من قِبَلِ العناصر والقيادات في إدارة العمليات الذين يتوقَّعون مكافآت أو تعويضات عن تعبهم ومجازفتهم بحياتهم على مدى سنوات في سبيل “التحرير” والتخلص من النظام السابق المجرم.

ولا بدَّ أنَّ الشَّرع، وبالتشاور مع الفريق من المٌخلِصين المقرَّبين المتواجدين إلى جواره، وجد أنَّ الحلَّ، للتخلص من كل هذا الوضع الصعب، أو المأزق، هو:
1- حلُّ كلِّ الفصائل، ودمجها في الجيش والأمن بشكل منضبط تحت السيطرة.
2- حلُّ الأحزاب السورية ومجلس الشَّعب، التي يجدها غير نافعة وتستنفذ مقدرات البلاد، والتي قد “تُصدِّع رأسه”.
3- أن يكون رئيساً “رسمياً” للبلاد، يتكلم باسم “الدولة” لا باسم “قائد العمليات العسكرية”، خاصةً وأنه آن الأوان للتفاوض الرسمي مع الدول العربية والأجنبية، وعقد صفقات، وتوقيع اتفاقيات معها لبدء إنعاش وإنقاذ وتحسين وضع البلد والشعب، مستغلاً فرصة تعليق العقوبات المفروضة على سوريا لستة أشهر (من قبل أمريكا) أو سنة (من قبل دول الاتحاد الأوروبي).

ويبدو أن هذه الإجراءات كانت نافعة، فقد أيدها عددٌ من الحكّام العرب، وفي اليوم التالي لتعيينه رئيساً، جاء أمير قطر للقائه (كرئيس)، قطر التي كانت ولا تزال أكبر داعم للشعب السوري والمعارضة السورية. ولا بدَّ أنَّ السيد الشَّرع يُدرك استياءَ الشعب مما حدث، ولكن ينتظر مرور الوقت، فيرتاح الشعب عندما يؤمِّن له الحاجات التي يراها أهمّ من الحُكم والإدارة، ألا وهي تأمين أساسيات الحياة للشعب، والكهرباء، والوقود، والرواتب للموظفين، وضبط الأمن، وضمان الأمان للمواطنين، بتعزيزه قوات الشرطة والأمن وتفادي المشاكل التي قد تحدث بين الشعب والفصائل (التي كانت مُسلَّحة أما الآن فهي مندمجة مع بعضها ومع غيرها في قوات الجيش والأمن المنظمة والمنضبطة).
والآن، إلى “العمل والفلاح”، فقد أمَّنَ السَّيد الشَّرعُ الضَّروريَّ من الوسائل التي يكفل بها الأمن ويحصل على الأموال والمساعدات التي يحتاج إليها الشعب، لأجل البنية التحية والإعمار والتنمية. والآن صار في مقدوره أن يعمل، وعلى مهل، على التخطيط والإعداد لكيفية إدارة البلاد على المدى القريب والمتوسط والبعيد، من حيث اختيار نوع الحكم المناسب للدولة، وآلية التشريع، وإقامة العدل والقضاء، وتعيين السلطة التنفيذية. وإن غداً لناظره قريب.
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
