بقلـم : أ. ع. عبـد الإلــه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

الحِوارُ هو الحَلُّ الأَنجَع:
تتزايد مع الأيام الخلافاتُ والنزاعاتُ بين الأفراد والجماعات والدول والتحالفات، وقد تصل المشاكل والعداوة بين الأطراف إلى درجة كبيرة، نكاد نصل معها إلى القول أنَّ بينهم “ما صنع الحداد”. هل يدعونا هذا الحال إلى اليأس، وخيبة الأمل؟ لا. ففي الواقع، مُستَوحِين من فكر الباحث والمفكر ندرة اليازجي، نجد أنه لا يُوجد خلافٌ أو نزاعٌ إلا وكان له حلّ، وهذا الحلّ هو في الحِوارُ والالتقاءُ بالآخر، وهذا هو السَّبيل الأَنجع.
الشُّروط العشرةُ للحِوار:
ولكنَّ الحوار الجدي المثمر له شروط يجب توافرها. وشروط الحوار الناجح بين أي طرفين متنازعين هي:
1- الاعتراف بالآخر- أيًّا كان هذا الآخر- وقبوله واحترام وجوده وفكره واستقلاليته، وعدم استخدام عبارات نَابِية أو تحقيريَّة أو مُسيئة للآخر، أو تخوينيَّة (كما يفعلُ أهلُ السياسة، وللأسف، في المؤتمرات واللقاءات التّلفزيونية).
2- تأسيس بنية عقلية منفتحة، “مُكوِّنة” (بكسر الواو)، وواعية، تصلح لإجراء تفاهُم معمَّق وواعٍ مع الآخر.
3- أن يقوم الحوارُ على أسُس عقليَّة ونفسيَّة وروحيَّة، واعية وسامية، وعلى معرفة الطَّريق المؤدِّي إلى التَّفاهم والتَّلاقي مع الآخر.
4- أن يكون الحوار بين أشخاص مختلفين عن بعضهم في الفكر ووجهات النظر، وضرورة الاعتراف بالتنوع المتأصل في جوهر الشخصيات البشرية، والمبادئ الإنسانية والطبيعية والكونية التي أبدعَها الوعيُ الكوني. فكما تتباين الورود في حديقتنا في شكلها ولونها ورائحتها، كذلك تتباين الورود الفكرية في لوجود الإنساني بيننا وحولنا.
5- أن يكون الحوار في منأى عن الانفعال العاطفي، وضيق الأفق الفكري، والتمسك الأعمى بالرأي، بل أن يسمح الأطراف المتحاورون لأنفسهم بـ “الإصغاء” للآخر بالفكر والقلب، ناهيك عن الأذن. فلا يجب أن يكون أيُّ مؤتمر أو حوار “حوارَ طرشان”.

6- أن تسود المحبة بين المتحاورين، فهذه المحبة التي تتجاوز مركزية الأنا، هي السبيلُ الأول والحقيقي للحوار والأسلوبُ الذي يشير إلى التسامح العقلي والروحي، والذي يتيح فهم الآخر والتفاهم معه.
7- الإيمان بأنه ما من خلافاتٍ أو نزاعاتٍ في الكون (مهما كان نوعها) مستعصيةٌ على الحل. وإنَّ روح المسؤولية بين المتحاورين والسعي الإيجابي نحو الحل هي ضمانات نبذ الإدانات والوصول إلى حل أي نزاع، مهما كانت أسبابه.
8- ألا يكون الهدف من الحوار أو نتيجته هو تماهي أحد الطرفين في الآخر، بل التقارب بين الطرفين، والوصول إلى رؤية متقاربة، أو كما نقول “الالتقاء بالآخر”، وهذه تفيد في فض النزاعات أو تسوية نقاط الاختلاف، بل حتى الخلاف.
9- ألا يكون الحوار هو عملية صورية أو شكلية ظاهرية للإيحاء بالديمقراطية والانفتاح وحرية التعبير عن الرأي، كما يحدث في الكثير من المجتمعات، بل أن يهدف حقاً إلى الوصول إلى الحق والصواب.
10- أخيراً، ومن الأمور البديهية، ألا يستعمل أي طرف موقفاً فوقياً متعالياً، كما ويجب أن يكون لدى كافة أطراف الحوار، الجرأة، والشجاعة، على الاعتراف بالخطأ، والإقرار بصوابيَّة رأي الآخر، بعد الحوار.

ولقد أفلحَ المتَحاوِرون:
ليس الحوارُ نقطةَ ضعف أو تنازلاً من طرف لآخر، بل بالحريّ هو قوة في الشخصية، ودلالة على العقلانيَّة والحلم وطول الأناة والانفتاح الفكري والقلبي. والحوارُ المتأصِّلُ في المحبَّة حقيقةٌ قائمةٌ في حياة البشرية منذ بدء الكون، وحتى قبل “عَدن”. ونعلم من التوراة، والإنجيل، والقرآن، كيف أنَّ الله نفسَه، سبحانه وتعالى، تحاور مع الملائكة، ومع البشر، بل وحتى مع إبليس. فإِنْ كانَ اللهُ العليُّ ترأَّف وتعطَّف وتحاوَر مع أبناء التُّراب والهلاك، فكيف نُسوِّي، نحن البشر، مشاكلَنا وخلافاتنا ونزاعاتنا سوى بالحِوار والالتقاء بالآخر والإصغاء والحب؟!!
ولَنا في الحِوارِ حَياةٌ ووِئامٌ وسَلام.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
