بقلم: فيكتور إميسايان

من يعرفُ سوريا، هذا البلد العتيق والعريق، يعلمُ أنَّ فيها تعدداً إثنياً وقومياً ودينياً كبيراً، تتميز به منذ عشرات بل حتى مئات السنين. ومن ينظر إلى سوريا الآن، بعد سقوط النظام السابق، واستلام “هيئة تحرير الشام” للسلطة في سوريا، يرى على الأرجح عند أغلب هذه الجماعة (وهم من السُّنَّة) ميلاً واضحاً نحو بناء “دولة مدنية تستند إلى الشريعة الإسلامية”، بحسب تصريح قائد الهيئة، أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي لسوريا، أي دولة ذات طابع إسلامي، أو إسلاموي، وفق نمط خاص بسوريا، على الأرجح.
ولكنَّ هناك عدة قوى وجماعات داخلية وخارجية متباينة في نظرتها إلى نظام الحكم الذي يجب أن يكون في سوريا الجديدة. وهذه الجماعات قوية، لا تقبل بدولة إسلاموية أو متطرفة دينياً، ولا تثق كثيراً، على ما يبدو بقيادة هيئة تحرير الشام للبلاد، رغم الكلام الإيجابي الذي يصدر عن الرئيس الشرع. ولكل جماعة من هؤلاء وجهة نظر في الاقتصاد والإدارة السياسية، ولها دولة أو دول قوية تدعمها وجاهزة لحمايتها، وأعلنت صراحةً أنها “خط أحمر”. فهناك الأكراد في الشمال الشرقي (قسد) الذين يرغبون بالفيدرالية وتدعمهم فرنسا وأيضاً إسرائيل. وهناك الدروز في الجنوب، يؤمنون باللامركزية، وتدعمهم إسرائيل كما عبَّر نتنياهو البارحة بشكل واضح صريح. وهناك العلويُّون (والشيعة) الذين، إن طفحَ الكيلُ بهم، لا نستبعد أن يطلبوا الحماية أو المعونة من إيران الشيعية، التي تنتظر فرصة سانحة للدخول إلى سوريا والتدخل من جديد في شؤونها، أو تلجأ إلى العلويين في تركيا الذين عبَّروا عن استعداهم لتقديم الدعم لهم، خاصة الذين في الساحل السوري. إضافة إلى ذلك هناك الدواعش في شرق سوريا، وهناك أيضاً مجموعات مسلحة في جنوب سوريا، ولكل منهما إيديولوجيته وأجندته.
ويرى محللون ومراقبون للمجريات في سوريا، أنَّه إنْ لم يَكن “التقسيم” وارداً أو مقبولاً، داخلياً وإقليمياً ودولياً، فهناك احتمالٌ كبير أن يَفرض هذا الوضع القائم، وهذا التنوع في المكونات السورية وعدم التفاهم بينهم في التعايش في دولة واحدة موحدة، أو يؤدّي إلى نشوء دولة اتحادية في سوريا. إن بقيت حالة السوريين هكذا، فإنه ليس مستبعداً أن تتحوَّلَ سوريا إلى فيدرالية توافقية، يجد فيها كل فريق ضالته ومصلحته. وليس مستبعداً أن تؤيِّد الدول الفاعلة في الشرق الأوسط، وخاصةً إسرائيل، هذا النظام طالما أنه يُريحُ الدول الجيران، ويؤمِّن في الداخل السوري السَّلام والاستقرار والأمان اللازم لجذب الاستثمارات وتحقيق الإعمار والتنمية الاقتصادية والمجتمعية. فهكذا نظام فيدرالي يبدو في نظر كثيرين أنه الأمثل أو “الحلُّ الأقلّ مرارة” أو “أبغض الحلال” للوضع السوري، إذ “يؤمّن حماية الأقلّيات” ومصالحهم جميعاً، ويحولُ دون استئثار طرفٍ واحد- يراه الجميع بغيضاً- بالحكم. كما وإن هذا النظام يحول دون تقويض وحدة الدولة السورية، ويمنع إقامةَ دولة إسلاميَّة سَلفيّة، معزولة عن العرب والمجتمع الدولي، وغير مقبولة في المنطقة.
هل نتوقع استمرار الوضع المتأزم الحالي في سوريا (كما في عدة دول مرَّت بخبرة “الربيع العربي”)؟
أم سيحدث تفاهمٌ على الدولة الواحدة؟
أم يضطرون إلى توافق على دولة فيدرالية، ما يعني صياغة عقدٍ اجتماعي ودستورٍ جديدَين، بين المكونات السورية يرتكز على أساس الفيدرالية، ويضمن استقلال وحقوق جميع المكونات السورية على اختلافها، ويؤمِّن تمثيلها في الحكومة الاتحادية؟
إنَّ كل الدُّول العربية والغربية، تأمل وتطلب وتشترط على هذه الإدارة حكومة غير دينية وغير طائفية، تكون شاملة وتضمن حقوق الجميع. والحقيقة، أن الإدارة الحالية، والتي لديها كلّ القدرة على ذلك، إن أرادت، هي الوحيدة التي تملك “الحلَّ والرَّبط” في هذه المسألة. ومستقبل سوريا يعتمدُ على حكمة هذه الإدارة، وقدرتها على التفاهم والتقارب مع جميع الأطراف الداخلية، وأخذها هواجس وتوجُّهات هذه المكونات الاجتماعية الداخلية بعين الاعتبار كشركاء في الوطن، ومدى التنازل الذي تقوم به والتوازن الذي تحققه، تجنباً للانقسام والتوتر السياسي والاجتماعي والصراع بين هذه القوى والجماعات المتباينة دينياً وسياسياً وقومياً .
نتفاءل بالخير لسوريا. واللَّــه وَلِـيُّ التَّـوفِيــق.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
