بقلم البروفيسورة ميـرنـا داود، أسـتاذة فلسفة السياسة في جامعة كاليفورنيا

إنها لعبة الخرائط لمن لا يعلم، ثمة من يرسم وثمة من ينفذ وثمة من يصدق وثمة من يصفق..
ثمة من يموت وثمة من يعي.
والارض البلهاء تدور حول نفسها .. ونحن ندور معها.
للآسف نحن في هذا الشرق نتقاتل حول الوهم بعد أن خرجنا من العصر ..
حروب المصالح تطيح بالرؤوس الصغيرة..
سياسة القضم والتقسيم عنوان المرحلة القادمة في المنطقة …
ذكرتُها سابقاً بأنَّ مصالح الدول الكبرى أكبر من مصلحة رئيس أو دولة، فهل نحن أمام يالطا جديدة لتقاسم مناطق النفوذ أم أنها سايكس بيكو جديدة؟!
وكأنني أرى المشهد الذي حذَّرتُ منه منذ سنوات وكتبتُ الكثير الكثير عنه: احتلال، اقتطاع، تغيير في الخرائط والجغرافيا، تغييب المتنوِّرين والمفكِّرين عن السَّاحة السياسية…
“بين ١٩١٤ و٢٠٢٤”، بعد ١٠٠ عام، أين نحن اليوم؟
الدول الهشة تفتح شهية الضباع المفترسة، فتأكل بعضها البعض في النهاية، الحريق يتمدد ويتمدد وفوضى لا نهاية لها.
اقتتال، حروب أهلية طاحنة، اغتيالات سياسيَّة، وتصفية لقامات علمية إضافة إلى مساحات غير منضبطة، وحركات أصولية متطرفة عقائديّة إرهابية مسلَّحة، تطفو على السطح، تتناحر فيما بينها والبقاء للأقوى (ليبيا مثالاً)…تدميرٌ ممنهج لمفهوم الدولة كدولة جامعة.. والإبقاء على أشباه دول هي عبارة عن كيانات هشَّة غير قابلة للدِّفاع عن نفسها تتحكَّم فيها ميليشيات مسلَّحة.. وفق غياب دور القوى المدنيّة والسياسيَّة التي ستُعزل أساساً..
من سوء حظ هذا الجيل أنه يشهد تحولات مزلزلة لبناء نظام دولي جديد وتوزيع أو اعادة توزيع أدوار إقليمية. ووقود كليهما شعوب هذا المشرق.
الذين انخرطوا فيما سمي “برياح التغيير” كلٌ له دوافعه وأسبابه التي يزود عنها سجالاً هائلاً ومحاضرة عصماء. لكنَّ (القطاف) في مكان آخر. وللأسف الشديد لا أحد يريد أن يقرأ المشهد بعقل بارد. لعله نفس المشهد الذي عاشه أجدادنا في مطلع القرن العشرين، ونفس المشهد الذي عرفه آباؤنا بعد الحرب العالمية الثانية.
بعد سنين سيكتُب التاريخ كم خسرت هذه المنطقة ودفعت الأثمان الباهظة في سياق حرب الكبار!
في كتب التاريخ عنوان واحد عريض: تشكيل منظومة عالمية جديدة. أما تفاصيل ما حصل في الشوارع الخلفية فلن يهتم له أحد.
في مرحلة يافعة من العمر، يعتقدُ المرءُ أنَّ السياسة هي ممارسة (نظيفة)، وعندما ينضج وعيُه ويقرأ كل ما يحصل حولَه يظنُّ أنَّ السياسة هي تطبيقٌ لما في الكتب.
وعندما يعرفها حق المعرفة، يتأكد أن لا علاقة لها بهذين المصطلحين، وأن عليه أن يتجاوز ثلاثة أوهام: النظافة، والإرادة الخالصة، والأفكار المعلبة في الكتب!
وعندما يدرك حجم التداخلات بين ما هو دولي وإقليمي وجغرافي واقتصادي … وأن السياسات تعتمد على أربع نظريات وهي الوظيفية والمكيافيلية والأداتية والبراغماتية، وأنها محكومة اليوم بعدم التعيين، يخلص إلى نتيجة عدم اليقين أو الاستقراء لما سوف يحصل، من الصعوبة بمكان أن تفهم السياسة في هذا الوضع الشائك.
إنها لعبة الخرائط!!!
وأختم بالقول: الغباء في السياسة مصيبة أما الغباء في الاستراتيجيا فكارثة الكوارث..!!
التوقعات السياسية الناتجة عن حسابات خاطئة قد تقود إلى الهلاك والمزيد من التشرذمات والصراعات..!! لا نزال في البدايات…والعبرة دوماً بالخواتيم ..
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
