
مع بدء استخدام الكهرباء واختراع البرَّادات والثَّلاجات، صار الناس يحتفظون بكميات الطَّعام التي تفضل عنهم في البراد أو في الثلاجات، أو بسبب ظروف عمل النساء أو تكاسل بعضهن عن الطَّبخ كل يوم، أو لتوفير وقتهن وعناء التَّعب في المطبخ. فكثرُ استخدامُ “الطَّعام المُجَمَّد”، أي الطَّعام الذي يُخزَّن في البرَّاد أو الثلاجة، والذي صار يتوافر في البيوت ومحلات السوبرماركت وشركات الأغذية في كل مكان. ومع ذلك، يتساءل كثيرٌ من الناس عما إذا كان التجميد يؤثر في الجودة الغذائية للطعام.

هل الطَّعام المُجَمَّد ضارٌ بالصِّحة؟
عندما يُجمَّدُ الطَّعام، تَتناقَصُ القيمةُ الغذائيَّة للطعام، إذ تتشكَّل بلُّورات ثلجٍ مُجَمَّدة في داخل الطَّعام تؤدِّي إلى تلف بُنية خلايا الطَّعام، وفقدان بعض العناصر الغذائية منه، خاصة فيتامين “C” وفيتامين “B” التي تكون عادة ذائبةً في الماء، إضافة إلى تغيُّرات أخرى تطرأ على بنية الغذاء. ولم ينجح المصنِّعون بعد في الحصول على طعام مُجَمَّد يكون على نفس القيمة الغِذائية كما الطَّعام الطَّازج، رغم لجوء الشَّركات الغذائيَّة لإضافة موادّ حافظة للطعام، التي هي بدورها أيضاً غير محمودة للصحة.
هل يُسبِّبُ الطَّعام المُجَمَّد أمراضاً؟
يرى الأطباءُ أنَّ كثرة الاعتماد على الطَّعام المُجَمَّد قد تصبح مُضرَّة وقد تسبِّب تدهورَ الحالة الصِّحية. فالأطعمة المُجَمَّدة قد تؤدِّي إلى ارتفاع ضغط الدم بسبب ارتفاع نسبة الصوديوم (الملح) فيها، وقد تؤدِّي إلى زيادة الوزن (السُّمنة)، وأيضاً زيادة احتمال خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب والسَّكتة الدِّماغية، لأن الدًّهون المتحوّلة في الكثير من الأطعمة والمنتجات الغذائية المُجَمَّدة، تؤثر على نسبة الكوليسترول في الجسم. والمواد الغذائية المُجَمَّدة أيضاً تُزيدَ خطرَ الإصابة بمرض السُّكري، وخاصة عندما تحتوي على النشاء الذي يتحول إلى سكَّر في الدم.

هل كلُّ الطَّعام المُجَمَّد سَيِّء؟
في الواقع، الفواكه والخضروات المُجَمَّدة يمكن أن تكون مفيدة بنفس القدر، وفي بعض الحالات أفضل من الفواكه والخضروات الطازجة التي يمر وقت بين قطفها وتناولها. ذلك أن الفاكهة والخضروات، تبدأ في فقدان العناصر الغذائية ما إن يتمَّ قطفها، فكيف الحالُ إن استغرق نقلُها إلى المتاجر بعض الوقت، بالإضافة إلى الوقت الذي تبقى فيه في المتجر ثم في مطبخك قبل أن تتناولها! ففي هذه الحالة، لا بأس في تجميد بعض الفواكه والخضار، وطبعاً من الأفضل سلق الخضار أو طهوها لأن ذلك يمكن أن يزيد من التوافر “البيولوجي” للعناصر الغذائية، ويزيد محتوى مضادات الأكسدة والفيتامينات. ولكن يجب عموماً ألا تزيد مدَّة تجميدها القصوى عن ثلاثة أشهر، ومن الأفضل هرس أو عصر الفواكه، أو طبخ الخضار، فوراً بعد إخراجها من الثلاجة، بدلاً من تناولها كاملة.
وبالنِّسبة للَّحم، من الأفضل تجميده في شكل قِطَع كبيرة، فهكذا يمكن أن يبقى صالحا لمدة تصل إلى 18 شهراً. وبالنسبة للدَّجاج والأسماك، من الأفضل تقطيعها أولاً حتى لا يتشكَّل الثَّلج داخل القفص الصدري ويجف اللحم.
بالمقابل، لا يُنصح بتجميد الوجبات المنزلية، خاصة الأطباق التي تحتوي على الصلصة، لأن التجميد سيغيِّرُ مذاقَها. ولا ننصح بتجميد بعض منتجات الألبان أو الجبنة. وأما بالنسبة للبيض، فمن الأفضل عدم تجميد الصَّفار بل البياض فقط.
وفي حالة اللجوء إلى تناول الأطعمة المُجَمَّدة، يجب على الأقل الانتباه إلى الطريقة الصحيحة لتجميدها وأيضاً إذابتها وإعادة تسخينها، وذلك من أجل حفظ الأطعمة، والحفاظ على نضارتها ونكهتها والتقليل من آثار التجميد على الجودة الغذائية للطعام.

في العصر الحالي الذي يتميز بزيادة الإنتاج والاستهلاك، والسَّعي اللاهث نحو السُّرعة وتوفير الوقت وتركيز الجهد، يُعتَبرُ التَّجميد من أسهل طرق حفظ الطَّعام لفترات طويلة، وهو في الحقيقة طريقة اقتصادية وسهلة، ساعدت في الحفاظ على المنتجات الغذائية، حتى أنك تكاد لا تجد سوبرماركت أو محل بقالة صغير لا يحوي الخضار واللحوم والدواجن والأسماك المثلجة. ورغم تعوُّد النَّاس على الأطعمة المُجَمَّدة واضطرارهم لتناولها معظم أحيان، ورغم أن بعضها غير ضار، إلا أن الصحة والسلامة المكروبيولوجية للطعام تقتضي التقليل من استهلاكها ما أمكننا ذلك، والاستعاضة عنها بالطَّعام الطازج الصحي والأكثر إفادة للجسم.
أخصائية التغذية لمى رسلان
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
