مقتطفات من كتاب ((نضال عنفي أو لا عنفي لإحقاق العدالة) للكاتب: كوستي بندلي
بقلم : أ. ع. عبـد الإلـه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

يَخضَعُ كثيرون في كلِّ مكانٍ للاضطهاد أو القَمع أو التَّعسف والدكتاتورية والظٌّلم. والبعضُ يسكت ويمتنع عن الرَّد على هذه المظالم أو مواجهة الظالم، بحجة اللاعنف. ولكنَّ الواقع أنَّ دافعهم للسكوت عن هذه المظالم والإجحافات هو الجبن أو الخوف أو الضَّعف. ولكنَّ هذا يتنافى ويتناقض مع مفهوم وحافز اللاعنف. ونوضح هنا موقف أهم شخصيَّتين حول موضوع العنف واللاعنف، وهما غاندي ومارتن لوثر كينغ:

العنف واللاعنف عند غاندي:
اللاعنفُ البَحْتُ مَوقفٌ سَلبيٌّ وجدَه غاندي في التُّراث الهندوسي، ولكنَّه تجاوزه بتبنِّيه موقف المحبَّة المسيحي الذي هو أبعد ما يكون عن السَّلبيَّة لأنَّه تحديدًا موقف ناشط. وقد تأثَّر غاندي في حداثته بهذه العبارة: “ولكنَّ النَّبيل الحقيقي يعتبر النَّاس كلاً واحدًا، ويردُّ على الإساءة في سرور بالإحسان”. … اللاعنف بالنسبة لغاندي هو إذًا مقاومة وبالتالي فهو نضال…. وشدَّد غاندي على أنَّ اللاعنف كما يفهمه إنَّما هو على نقيض الجبن. اللاعنف الأصيل يفترض عند المرء القدرة على مقاتلة الخصم، ولكنَّه يتجاوز هذه القدرة إلى مستوى أرقى من البطولة. بعبارة أخرى فإنَّ اللاعنف الحقيقي، حسب رأي غاندي وخبرته، لا يُوجد عند الَّذي هو عاجز عن استعمال العنف للدفاع عن حقوقه المشروعة ومقدَّساته، بل إنَّما يوجد عند الَّذي هو قادر على هذا الاستعمال، ولكنَّه يتخلَّى طوعًا عن قدرته هذه ليبلغ أعلى مرتبة من السمو الإنساني. فاللاعنف بنظره شيمة الأقوياء وليس شيمة الضعفاء المغلوبين على أمرهم.
وقال غاندي أيضاً: ” لا أتردَّد بأن أقول إنَّه حيثما لا يوجد خيار إلا بين الجبن والعنف، ينبغي حسم الأمر لصالح العنف… إنَّه أَحَبُّ عليّ أن تُدافع البلادُ (الهندُ) عن شرفها بقوَّة السِّلاح من أن أراها تشاهد هزيمتها بجبن ودون أن تدافع عن نفسها. هذا لا يمنعني من الاعتقاد بأنَّ اللاعنف أرقى بما لا يقاس من العنف وأنَّ التَّسامح أنبل بكثير من العقاب. إنَّ الصَّفح زينة المحارب. ولكنَّ غياب العنف لا يعني التَّسامح إلا إذا كان العنف ممكنًا. وهو يفقد بالعكس كلَّ معنى إذا لم يكن لدى المرء وسيلة للرد. لا يخطر على البال أنَّ الفأر متسامح لأنه يترك القطَّ يفترسه… مستحيل أن يكون المرء بآن معًا جبانًا ولاعنفيًا.. اللاعنف والجبن يتنافيان. لا يمكن للمرء أن يكون لاعنفيًا حقًا وأن يبقى سلبيًا أمام المظالم الاجتماعية”.

العنف واللاعنف عند مارتن لوثر كينغ:
بالمعنى نفسه قال مارتن لوثر كينغ: “ينبغي أن نتعلَّم أنَّ القبول السَّلبي لنظام ظالِم، إنما هو تعاونٌ مع هذا النظام، وبالتَّالي تواطؤ مع شرِّه.”
وقد حذَّر كينغ من اتخاذ “المشيئة الإلهية” ذريعةً للرُّضوخ للظُّلم والتَّهرب من مقاومته: “هل ينبغي لنا أن نخلص إلى الاعتقاد بأنَّ التَّمييز العنصري إنَّما هو من إرادة الله، فيقودنا ذلك إلى الرضوخ للقهر؟ كلَّا، بالتَّأكيد! لأن ذلك إنما يكون تجديفًا يُنسَب به إلى الله ما يأتي من الشَّيطان. إنَّ التَّعاون السَّلبي مع نظام ظالِم يجعل المظلوم مساويًا للظَّالِم من حيث الشرِّ”. هكذا فإن موقف النضال اللاعنفي موقفٌ يتطلَّب تجاوزًا لمختلف الاستجابات الغريزيَّة التي ينقاد إليها المرء تلقائيًا إذا ما ووجه بممارسة العنف عليه. اللاعنف هو استجابةٌ يتجاوز فيها المرء الرُّضوخ للأمر الواقع والسَّلبية والخوف، أو مشاعر الحقد والانتقام. النضال اللاعنفي جوابٌ ينبع ممَّا هو أعمق من الغرائز والأهواء، يصدر عن أصالة الإنسان، عن قدرته على التَّحرُّر من سلطان الغرائز ليحقِّقَ ذاتَه بالمحبَّة، بعيدًا عن الضَّعف والعجز. كما وبعيدًا عن الضَّغينة والتَّشفِّي. إنَّه موقف به يتحرَّر الإنسان مما يعطِّل إنسانيَّته. وبه يتيحُ للخصم، عبر نداء المحبَّة الموجَّه إليه فرصةَ التَّحرر بدوره مما يعطِّل فيه تلك الإنسانيَّة عينها، من ظلم وعدوان.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
