فيكتور إميسيان

في إرباك إعلامي، أعلنَ النَّاطقُ العسكريُّ، حسن عبد الغني، اليوم وعلى نحو غير متوقع، تنصيبَ أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية التي تمرُّ بها البلاد. ثم جاء خطاب أحمد الشرع في خاتمة مؤتمر حضره قادةُ الفصائل المسلحة التابعة لإدارة العمليات العسكرية.
أوضح الشرعُ أولويَّات سوريا اليوم بأنها:
1- أن يُملأ فراغُ السُّلطة بشكل شرعي وقانوني.
2- أن يُحافَظَ على السِّلم الأهليّ من خلال السَّعي لتحقيق العدالة الانتقاليَّة ومنع مظاهر الانتقام.
3- أن تُبنى مؤسَّسات الدولة وعلى رأسها العسكريَّة والأمنيَّة والشُّرَطِيَّة. فإنَّ حِفْظَ أمن الناس مقدَّمٌ على أيِّ اعتبار.
4- أن يُعمَل على بناء بنية اقتصاديَّة تنمويَّة تُعنى بإعادة تأسيس الموارد البشريَّة والزراعة والصناعة وقطاع الخدمات.
5- أن تستعيد سوريا مكانتها الدوليَّة والإقليميَّة، وأن تُنشِئَ علاقاتها الخارجيَّة على أساس الأخوَّة والاحترام والسيادة والمصالح المشتركة.
هذه التَّصريحات تلقَّاها بعضُهم بخيبة أمل واستياء، إذ اشتمَّ فيها ديكتاتوريَّةً مغلَّفةً بلباس ناعم ولسان لطيف. وبعضهم تلقَّاها بارتياب واستغراب ونظرة شكّ. وبعضُهم رأى أنها، نوعاً ما، نظريةٌ فوق العادة وغير عمليَّة، وبالتالي وضع نفسه في حالة ترقُّب. ولكن الأغلبية رأت أن هذه الخطوات التي أعلن عنها السيد الشرع قد تكون عمليَّة ومعقولة، فدعونا نعطي الإدارة فرصة زمنية، وسرعان ما سيتبين هذا الأمر.
وبشكل عام، إنَّ المواطن صاحب النَّوايا الحسنة والنظرة الإيجابية للأمور، يرى في تصريحات الشرع أمراً مُطَمْئِناً بشكل أوَّلي، للدَّاخل والخارج، وقد تُوحي بالأمن، والاستقرار، وبمستقبلٍ واعدٍ لسوريا وللشعب السُّوري. ومن ناحية أخرى إيجابية أيضاً هي أن هذه الإجراءات تفيد في إغلاق الباب “والنوافذ” أمام التَّدخل الخارجي في شؤون سوريا، وتمهِّد الطريقَ نحو سوريا دولةً مستقلةً مستقرة.
مهما يكن من أمر، هناك نقاط وأسئلة أثارها خطاب الشَّرع، ذلك لأنَّه لم يتكلَّم عنها بشكل واضح ومحدَّد، خِلافاً لتوقُّعات الشَّعب. وهذه الأسئلة يضعها الشعبُ برسم الشرع شخصياً: هل المشكلة في سوريا هي في قيادة سوريا، أي هل هناك خلافات وصراع بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسلطة؟ ماذا عن نظام الحكم المُزمَع إقامتُه؟ ماذا عن سياسة الدولة في هذه الفترة ولاحقاً؟ كيف يمكن قيادة البلاد وإدارتها بدون سياسة؟ هل يستطيع السيد الشرعُ منفرداً صناعة السياسة في سوريا في هذه المرحلة؟ ماذا عن الدستور الذي سيسود في البلاد خلال هذه الفترة؟ وهل تشكيلُ مجلس تشريعي برئاسته يعني إلغاء المؤتمر الوطني أو صياغة دستورٍ للبلاد؟ وهل إلغاءُ جميع الأحزاب وغياب برلمان أو معارضة يُمكن أن يُوقِع َالحكومةَ في أغلاط؟ إذ ليس هناك من يصوِّب مسارها (الذي يفترض أن تكون مهمة البرلمان). وما هي الأسس الوطنية التي ستعتمدها هذه الحكومة في بناء الجيش الجديد؟ وهل هناك جدول زمني لهذه المرحلة؟
وماذا عن مدة وسبب التمديد؟ هل يُرادُ تمديدُ مرحلة “تصريف الأعمال”، كما اصطُلِح على تسميتها، من ثلاثة أشهر إلى أربعة أعوام؟ وهل غايةُ التَّمديد هي أن يرتِّبَ الشَّرعُ بشكل ثابت وراسخ شؤون “البيت السياسي الداخلي”، أي العلاقة بين الفصائل المسلحة التي تنضوي تحت قيادته، وربما إبعاد الفصائل التي قد تسبِّب مشاكلَ للشعب؟ أم أنه يرغب في أن يشتري بعض الوقت من أجل أن يحقق المزيد من السِّلم الأهلي والتوافق بين أطياف الشعب السوري، تمهيداً إلى القيام بالخطوات الرئيسة من كتابة دستور للبلاد، واستفتاء على الدستور، ثم انتخاب رسمي لبرلمان ورئيس للبلاد؟
ثم، ما موقفُ الداخل والخارج من التَّمديد؟ هل تلبَِى تصريحاتُ الشَّرع مطالبَ الشَّعب السوري، وأيضاً توقُّعات الدول العربية المؤثرة، وكذلك أمريكا والدول الأوروبية التي ستساعد الشعب السوري، ولكن ضمن شروط أعلنت عنها مراراً وتكراراً، وكان آخرها مقاربة “الخطوة مقابل خطوة” (Step for Step) التي أقرَّتها هذه الدول في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل يوم أمس؟
ثم تأتي التساؤلات التي تؤرق بال عامة الشعب، الذي تعب من كثرة الكلام وينتظر الأفعال، هذه الأسئلة المتعلقة بأُسِّ حياة المواطن: هل ستستطيع هذه الحكومة الانتقالية تأمين حاجاتنا كمواطنين، وخاصة الأمان والاستقرار؟ هل سنتحول إلى دولة مؤسسات، أم سنبقى “كحارة نُهبة لكلِّ من هبَّ ودبَّ”؟ والسؤال الأهم الذي يطرحه المواطنون غير القادرين على متابعة الأمور السياسة، وينتظرون بفارغ الصبر معرفة الإجابة عليه في قادم الأيام هو: ماذا بعد؟
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
