بقلـم : أ. ع. عبـد الإلــه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

العدالة الانتقالية، كمفهوم، هي مجموعةُ تدابير وإجراءات قضائية وغير قضائية يتمُّ تطبيقُها في دول مختلفة، وخاصَّةً على يدِ من يستلم إدارة البلاد بعد إسقاط نظام سابق يكون عادة فاسداً أو ارتكب جرائم كثيرة في الداخل أو ما يسمى “جرائم حرب”. والعدالة الانتقالية تقوم بمعالجة ما ورثَتْهُ من النظام السابق من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وغير ذلك. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان تَقصِّي الحقائق، والمحاسبة عن طريق محكمة خاصة بهذه العدالة، وبرامج التَّعويض عن الضرر للضحايا، وإعادة الحقوق والممتلكات لأهلها، وتعزيز أسس القانون والديمقراطية، وإجراء إصلاحات متنوّعة في مؤسسات الدولة المختلفة.
ومن اسمها، العدالة الانتقالية، نستدلُّ أنَّه يجب تحقيقها لفترة محدودة انتقالية، أي من أجل نقل السُّلطة من النظام السابق إلى الإدارة الجديدة، وبها تتم معاقبة المرتكبين والتعويض على الضحايا، وكذلك تتحقق المصالحة الوطنية. فبدون إحقاق الحق وتنفيذ العدالة الانتقالية وجبر الضَّرر، وإذا لم تشاهد الضحايا معاقبة المرتكبين الذين قاموا بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ستنشأ انقسامات اجتماعية حادة في المجتمع، وستنعدم الثقة بين المجموعات وفي مؤسّسات الدولة، عموماً، إضافة إلى اضطراب الوضع الأمني وتعطيل الأهداف الإنمائية أو إبطاء تحقيقها، علماً أن الدولة والشعب يكونان في أمسِّ الحاجة إلى الأمن والإنماء. ومن ناحية أخرى، إنَّ عدم تحقيق العدالة الانتقالية سيشكك المواطنين بأن هذه الإدارة الجديدة ربما كانت مشاركة، بشكل أو بآخر، في هذه الانتهاكات، وسوف يطرح تساؤلات بشأن التزام الإدارة الجديدة بسيادة القانون. وعلى الأرجح أن ذلك سيجعلُ كلَّ شخص يحقِّقُ العدالة بيديه، وهذا يؤول في نهاية المطاف إلى حلقة مفرغة من العنف في أشكال شتّى.

في الدول التي تعاني من نزاعات وحروب أهلية، يتشكّل في نَفْسِ المظلومين وضحايا النِّظام دافع قوي للرغبة بالانتقام، عاجلاً أم آجلاً. وقد يكون هذا الحال أيضاً في الإدارة الجديدة التي ربما كانت ضحية للنظام السابق أو موضع تنكيل. ولكن بعد استلام هذه الإدارة الحكم، يجب، على جميع الأحوال، أن تتبع استراتيجيات العدالة الانتقالية التي تكلَّمنا عنها للتو.
ولكن حدث، ويحدث، في عدة دول عربية وأجنبية، أن يُؤخذَ الناس أو الشعب بروح الانتقام، وبدلاً من المحاسبة القضائية العادلة، يقومون بأعمال عنف وشغب غالباً ما تكون خاطئة ولا تتوجه إلى المرتكبين فقطـ، بل تطالُ أحياناً أناساً أبرياء.
في حالات تغير الأنظمة والسلطات التي تصل إلى السلطة في عدد من الدول، نلاحظ تحول العدالة من انتقالية سلمية إلى عدالة انتقامية عنيفة. فبعد انهيار النظام التسلطي والاستبدادي السابق، تنزلقُ الإدارة الجديدة غالباً إلى دوامة العنف والثأر والتَّشفِّي، فتحدث عدة مظالم وانتهاكات على الأرض، قد تصل أحياناً إلى تصنيف “جرائم حرب”. وقد تقود هذه إلى حرب أهلية مُستدامة، خاصةً عندما يكون للإدارة الجديدة فصائل مُسلَّحة أو ميليشيات متحالفة معها. ومن الأمثلة عن هذه الانتهاكات الغير إنسانية التي قد تقوم بها الإدارة أو السلطة الجديدة:
– تقوم بتسريح عناصر الجيش والأمن في النظام السابق بدون تعويض مادي أو تقديم رواتب لهم، هذا إذا لم تحبسهم أو تقوم بإعدامهم.
– تُفرغُ بشكل عشوائي، السُّجونَ المكتظة، من المساجين السابقين، سواء كانوا سجناء سياسيين أو مجرمين ومرتكبين. ولا تلبث أن تضع مكانهم المعارضين لها.
– تفصل كلَّ الموظفين الذين تعتبرهم فاسدين أو من أنصار أو مؤيدي النظام البائد، وكذلك المحامين أو القضاة في الزمن السابق.
– تشجع على العداء نحو جماعة سياسية معينة أو طائفة معينة أو طوائف تعتبرها “طائفة النظام السابق” أو “أنصار أو أعضاء حزب النظام السابق”، ما عدا كبار المسؤولين في الجيش والأمن في النظام السابق الذين نكلوا بالشعب، والذين هم من نفس طائفة الإدارة الجديدة. فتبرر الإدارة الجديدة لهذه العناصر من نفس طائفتهم ما ارتكبوه من فظائع، بالقول إن هؤلاء كانوا مجبورين ومرغمين على فعل ذلك لأنها أوامر من قِبَل النظام السابق “الدكتاتوري المستبد”.
– يقولون أنهم سيُجرون محاكمات عادلة لـ “المرتكبين”، ولكن هذا لا يتم عملياً. بل حتى إن الإدارة الجديدة تعتقل أو تقتل عشوائياً وميدانياً أشخاصاً لا علاقة لهم بالنظام السابق.
– تسمح للرّعاع بسرقة أو خطف أو قتل من كان يخالفهم في الرأي، وقد يقومون بمجازر أو إبادة جماعية لهؤلاء.
– تضطهد عائلات الضباط أو الموظفين الكبار في النظام السابق وقد يسلبونهم الأموال أو الممتلكات من أرض وبيت وسيارات وغير ذلك.
– يعاقبون من كان متعاوناً مع النظام السابق، أو غير معارض له، كرجال السياسة والناشطين السياسيين والمجتمعيين، وحتى رجال الدِّين من مختلف الطوائف، ويبتزُّون رجال المال والأعمال، واعدين بالإبقاء على حياتهم وشركاتهم ومعامِلهم بشرط أن يستمروا بدفع المال لهم.
– يستأثرون بالسلطة بكافة أنواعها ويقصون حتى المعارضين الآخرين الذي هم أيضاً عارضوا مثلهم النظام السابق وتعرضوا للمحاربة والقتل والنَّفي والتشتت والسجن والتعذيب بأقصى أشكاله، أو يطردونهم من البلاد أو يمنعون عودتهم إلى الوطن إن كانوا خارجه.
– يحاولون استفزاز المعترضين على استلامهم السلطة أو المخالفين لهم في الآراء أو الذين يتمتعون بشعبية كبيرة، وذلك بالتضييق عليهم في أمور حياتهم وأعمالهم أو إزعاجهم وإزعاج أفراد عائلاتهم في أماكن سكنهم أو عملهم أو مدارسهم وجامعاتهم وفي أمور التوظيف، أو الضغط عليهم بتلفيق تهم كاذبة لهم، وغير ذلك.

في الواقع، لا حياةَ أو مستقبل لأيَّةِ ثورةٍ أو انقلابٍ أو تمرُّدٍ أو حراكٍ سِياسي، إن لم يكن من قاموا به يتمتَّعون بالقدرة على التصرف بشجاعة ورباطة جأش، وفي آن معاً بحكمة وهدوء وغيرية ونبل أخلاقي. فاستلامُ الحكم في بلد هو خدمةٌ ومسؤوليةٌ وواجبٌ وشرفٌ، وهو يعني أن هناك من شَعَرَ بالظُّلم والقَهر والعَوَز الذي يرزح الشَّعبُ تحتَه، وبالتالي هبَّ بدافع إنسانيته ووجدانه لإزاحة هذا الظلم ووضع حدٍّ للارتكابات والانتهاكات التي كان يقوم بها النظام القديم. وبالتالي فيُفترض بهذا النظام الجديد، لا أن يكرر أخطاء وفظائع من سبقه، بل أن يسلك بحسب الأخلاق الحميدة التي يحملها، وبالتَّعاطف مع الشَّعب المسكين ، وبحسب التوجه السياسي في الحكم والإدارة الذي يرى أنه يحقِّق العدل والديمقراطية والكرامة والمساواة بين جميع المواطنين، والعمل لأجل بنيان الوطن وازدهاره وسعادة وسلام المواطنين.
وأخيراً، حتى وإن كنَّا قادرين على ظلم الناس والاستبداد والبطش بهم، يُرسلُ لنا اللهُ من هو أكثر منا استبداداً وبطشاً فيظلمنا ويفتك بنا. فلنكن متسامحين مُراعين رُحماء، لا ظالمين: «أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ» [الشورى 45]. لذلك “اتَّقِ دَعوةَ المظلومِ؛ فإنَّهُ ليسَ بينَها وبينَ اللَّهِ حِجابٌ”. واحذَر يا أخي، أَبَا مَسْعُودٍ، مِن أخطرِ سِلاح يستخدمُه المظلوم ضِدَّك، حين يرفع كفَّيه إلى الله، الله الذي “يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” [النّحل: 90]، الله الذي لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ أو حَالٌ، ويدعو بأن «حَسبيَ الله ونِعمَ الوَكِيل، ربِّي خُذْ حقِّي ممَّن ظَلَمَني».
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
