فيكتــور إميسـايان

خلال السنوات الـ 14 الأخيرة، بالتوازي مع الحرب في سوريا، شهدت الدول الأوربية موجة هائلة من اللاجئين السوريين الذين هرعوا إليها، تحت خطر الغرق والموت، هرباً من الموت في سوريا. واستقبلت الحكومات الأوربية اللاجئين، ومنحتهم الأمان والمساعدة والأمل بأن يكون لهم حياة ومستقبل في دولها. ولكن ما إن استلمت “هيئة تحرير الشام” إدارة الحكم في سوريا، حتى سارعت عدة حكومات، مثل النمسا وإيطاليا والسويد والدانمارك والنروج وبريطانيا وحتى ألمانيا، وفي اليوم التالي لسقوط النظام السوري البائد، إلى التفكير بإعادة اللاجئين السوريين الذين حصلوا على لجوء حماية، والآخرين الذين لا يريدون الاندماج في المجتمع الأوروبي إلى بلادهم، على اعتبار أن الوضع صار آمناً هناك. وهكذا علَّقت (ولو مؤقتاً) معظم الدول الأوروبية دراسة ملفات طالبي اللجوء السوريين الذين وصلوا إليها مؤخراً، أو البت فيها. كما شجعت على العودة الطوعية للاجئين إلى سوريا (مع إغراء تقديم ميلغ مالي لهم يصل إلى 4000 يورو للعائلة)، كما وبدأت تطرح فكرة سحب صفة اللاجئ عن اللاجئين السوريين وطردهم من دولها، وخاصة الذين لا يندمجون ولا يريدون العمل.

لقد توقعت دول اللجوء أن يتحسَّن الوضع في سوريا بعد سقوط النظام السابق واستلام هيئة تحرير الشام زمام الحكم في سوريا، وكذلك أن يحلَّ السلام والأمان في سوريا، ما ينفي سبب طلب السوريين اللُّجوء في أوروبا. لكنَّ ما حدث لم يكن كالمتوقع. فالوضع في سوريا فيه فوضى. والإدارة الحالية تبدو عاجزة عن تحقيق الأمن بهكذا وقت قصير سريع. والتوترات بين الطوائف ازدادت حدة، والممارسات السلبية لأشخاص يدَّعون أنهم من هيئة تحرير الشام فاقمت الوضع أكثر وزادت الشحن الطائفي والسياسي في سوريا، وصارت تهدد السلم الأهلي في البلاد خاصةً بسبب الوقت الطويل الذي سيستغرق الإدارة الحالية لوضع دستور لسوريا، أو حتى التحضير المناسب له ولإجراء انتخابات في سوريا.
هذه الأحوال الحالية والأوضاع الميدانية في سوريا، وشعور معظم السوريين بالقلق والخوف وعدم الاستقرار، جعل عدداً من اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا أو فكَّروا في العودة إلى سوريا يعيدون النظر في الأمر ويعدلون عن تفكيرهم ويعودوا أدراجهم- وراء دُر- إلى أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، من هم في سوريا الآن، خاب أمل بعضهم في الوضع الحالي في البلاد. لذلك فإن عدداً من السوريين، بدأوا يفكّرون بالهجرة أو طلب اللجوء في الخارج، بل بالأحرى بدأوا يحاولون ذلك بشتى السبل، فيبيعون ما لهم من أملاك ، ويستدينون لتأمين مصاريف خروجهم من البلاد.

أما دول اللجوء، وبعد نظرها إلى الوضع الأمني الحالي في سوريا بعد سقوط النظام السابق، التي بدأت حكوماتها تسعى للتخلص من عبء اللجوء واللاجئين عليها وعلى مواطنيها، وتتوقع انخفاض عدد اللاجئين أو عودتهم إلى سوريا، فإنها تريثت، وبدأت تعيد تقييم الأمور. بل إن الحكومات الأوربية بدأت تتوقع وتخشى وصول موجات جديدة من اللاجئين إليها. فهم يرون أن الوضع في سوريا ليس مستقراً بعد، وفي معظم المدن السورية. ومن المتوقع لسوريا حدوث نقص في تأمين الخدمات ومتطلبات الحياة الأساسية للمواطنين، وزيادة الفقر والفقراء في سوريا بشكل مخيف آيلٍ إلى الانفجار في أيَّة لحظة، خاصةً بعد صرف الكثير من الموظفين (المدنيين والعسكريين) مما كان يُسمى (البطالة المُقَنَّعة) إلى جانب تخوف دول اللجوء من تسلل مقاتلين متطرفين إليها من سوريا بين اللاجئين، ما يشكِّل خَطراً على أمنها القومي.

و”مما يزيد الطين بلَّة” هو ما يتم توقُّعُه وتداوله داخل سوريا: ففي سوريا يسعى الأكراد إلى حكم ذاتي مستقل، أو فيدرالية، ويطالب الدروز باللامركزية. وآخرون يتوقعون ويخشون إقامة نظام حُكم إِسلامَوي متطرف متشدد في سوريا، رغم رفض معظم مكونات الشعب السوري لذلك المشروع. هذا وإن الكلام عن مشروع عقد مؤتمر دولي لدراسة موضوع تقسيم سوريا إلى كونتونات أو دويلات بهدف “حماية الأقلّيات” يؤكِّد على حقيقة وجدية احتمالات نشوء صراع داخل سورية ما قد يؤدي فعلاً إلى تقسيمات أو نظام فيدرالي أو كونفدرالي، أو ما شابه، أو أن تصبح سوريا جزءاً من “الفوضى الخلاقة” في “شرق أوسط جديد”.

نعم، إن دول اللجوء ضاقت ذرعاً باللاجئين الحاليين، وخاصة أولئك الذين يستنفدون طاقات الدول وأموالها ولا يقدمون لها أية فائدة، وفوق ذلك يقومون بجرائم قتل أو أعمال إرهابية ضد الأفراد أو ضد الجماعات. وتدرس هذه الدول تفاصيل كل بلادنا وأوضاعها، ويعرفون أي مدينة بل أي حارة أو شارع هو آمن. وهم لن يترددوا في التخلص من كل من لا يروقون لهم. ولكن حتى الآن، لم يقرروا طرد أحد بعد سوى المُجرمين المٌدانين، أو غير المندمجين، لأنها دول تحترم الإنسان وحقوق الإنسان.
ملاحظــة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
