بقلـم : أ. ع. عبـد الإلــه – من «نظـرات في السياسـة ومقارنـة الأديان».

لطالما قال الفلاسفةُ والمُصحلون الاجتماعيُّون، وخاصةً في المشرق المحافظ نوعاً ما، إنَّ الدِّينَ مرتبطٌ بالأخلاق وهو مصدرها، وحتى عندما لا يكون هناك دينٌ، فإنَّ الأممَ تنهارُ وتتلاشى إذا ما تلاشت الأخلاق فيها. ويستذكر الناس قول الشاعر الكبير أحمد شوقي: “وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا”.
في عالمٍ صارت الفضيلةُ والأخلاقُ أمراً نادراً يثير الاستغراب وعدم التَّصديق، عالم امتلاً بالفساد المادي والرذائل، وسيطر عليه الإلحاد وعدم الإيمان، أو التطرف والجهل، يقف المتأمل ويتساءل: أين أخلاق الأمم؟ أين الفضائل، أو على الأقل القيم المجتمعية والمعايير الإنسانية؟ لماذا ضعفت كل هذه وحلَّت محلَّها الأنانية والمسرَّة الذاتية والفردانية الشخصية؟ هل السبب هو خيبة أمل الناس من الدِّين؟ أم هو انعدام الإيمان؟ أم فشل المؤسسات التربوية في غرس “الأخلاق” في نفوس الطلاب في الصغر، أم فشل المؤسسات الاجتماعية في حفظ كرامة الإنسان؟ أم ماذا؟
يرى بعضهم أن هناك بلداناً فيها قيم إنسانية وأخلاق ولكن ليس فيها دين. ويرى بعضُهم الآخر أن هناك بلدان فيها دين ولكن ليس فيها قيم إنسانية وأخلاق. ويؤكد الكل أنَّ الدِّين، وحتى في الدول المدنية أو العلمانية، له دورٌ إيجابي في الحياة الإنسانية والمجتمعية، اللهمَّ إذا ما عقلَه الناس وفهموه، وأدُّوا واجبَهم نحو الخالق ونحو الخليقة، ونحو إخوتهم في الإنسانية.

في مقابلة صريحة أجراها مديرُ قناةٍ سياسية مستقلة في السويد مع أحد رؤساء الجمعيات الغير الربحية العاملة في الشأن الإنساني والاجتماعي، يسأله ما سبب تدهور السويد في نظره؟ فيجيب أنه يرى أنَّ السَّبب في ذلك هو أن السويد تخلَّت عن الدِّين. والتخلِّي عن الدِّين، يُشبِهُ قطعَ شجرةٍ عن جذورها القِيَِميَة. هذا التَّصريح يطرح عدة تساؤلات: هل المؤمنون وحدهم هم الأخيار؟ ألم يشهد الناسُ، وخاصة اللاجئون والنازحون في كل مكان، أخلاقَ ورحمةَ وتعاطفَ أناسٍ “عِلمانيين” بل وحتى “مُلحدين” وقفوا إلى جانبهم كما لم يفعل أي مؤمن؟

وماذا بالنسبة إلى مشرقنا؟ هل ستنحدرُ مجتمعاتُنا إلى أسفل الدَّرْكِ يوماً ما؟ لا نتوقع ذلك، ولا نرجو ذلك، بل نأمل أن يحافظ قومُنا على مكارم الأخلاق، وعلى علاقاتهم الطيبة مع بعض، وعلى المحبة والتسامح وعمل الخير مع كل الناس وكل البيئة التي نعيش فيها وتحتضننا. ففي الواقع، أنت حرٌّ في أن تعبد من تشاء، أو أن لا تعبد أحداً، ولكنَّك في جميع الأحوال لن تجدَ الرَّاحة والسَّعادة في معزل عن الآخرين أو في إيذاء الآخرين، سواء كانوا مواطنين أو دولاً، وتجارب الشعوب عبر التاريخ هي أكبر برهان.
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
