آخر الأخبار

إرهاصات من ثورة العبيد في روما على الواقع السوري

كانت العبودية منتشرة على نطاق واسع في المجتمع الروماني القديم، كحال المجتمعات القديمة، حيث كان لامتلاك العبيد أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لروما التي كانت تُشكِّل أحد أهم القوى الاقتصادية والعسكرية في ذلك الوقت.

فقد كانوا يعتمدون على العبيد في العمل بشكل قسري في كل المجالات: الزراعة والصناعة وأعمال البناء وكذلك في الجيش، فضلاً عن خدمتهم في المنازل، كما تم استخدامهم أحياناً في تعليم الأطفال القراءة والكتابة والموسيقى والفنون الأخرى..

كان العبيد يمثِّلون الطبقة الدُّنيا في المجتمع الروماني ،حيث وصفهم بعض المؤرخين بأنهم كانوا أدنى حتى من المجرمين، وذلك لعدم إعطائهم أي حق من الحقوق، بل كانوا مجرد ملكية، يمتلكها صاحبها كأيِّ متاع آخر يمكن امتلاكه، فهم عبيد مملوكون يَلدون عبيداً مملوكين.

فكان العبيد في روما يعيشون ظروفا إنسانية صعبة جداً وفي ذلك الحين سخط الكثير من الكتاب والمثقَّفين الرومان على سوء معاملة العبيد، حيث كتبَ الفيلسوفُ الرِّواقي الروماني سينيكا الأصغر (4 ق.م -65 م.)  يدعو إلى تحسين أحوال الرقيق، ولكنَّ العبيد أنفسَهم كانوا مستسلمين للأمر الواقع، إلى أن ظهر سبارتاكوس وقادهم إلى الثورة.

في الفترة التي وصل فيها سبارتاكوس إلى روما، كان العبيد يشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمع، وكانت أعدادهم أكثر من أعداد الأحرار، الأمر الذي أدَّى لعدم توفر المساحة لعمل العبيد الجدد، لذلك خَلَقُوا لهم وظيفة جديدة، وهي مصارعة الوحوش والبشر حتى الموت للترفيه عن “المواطنين الأحرار”. وهنا نشطت تجارة العبيد بين أصحاب مدارس مصارعي الوحوش (gladiators) ، لكن بالرغم من الشهرة والشعبية وحب الجماهير الذي كان يناله مصارعو الوحوش، فإن طبيعة حياتهم كانت أسوأ بكثير من ظروف باقي العبيد، فقد كانوا يتصارعون مع بعضهم البعض أو مع بعض الوحوش، ولا ينتهي النزال إلا بالموت !

عاش سبارتاكوس ورفاقه من المصارعين ظروفاً في غاية الصعوبة والقسوة، حيث كان التعامل معهم باعتبارهم وحوشاً تحتاج للترويض، لذلك خطط للهرب مع حوالي 80 من رفاقه في عام 73 ق.م ، واستطاعوا الفرار بعد أن داهموا مكاتب الأسياد وتسلحوا بالسكاكين، وقتلوا مدربيهم.

وسرعان ما انتشر خبر تمرد سبارتاكوس على الظلم في المدن المجاورة، حتى انضم إليه مجموعة كبيرة من الرُّعاة والعبيد  واستطاع أن يشكل جيشاً ضخماً يضم أكثر من 70 ألف شخص من الثائرين.

هاجم جيش سبارتاكوس الجرار عدد اًمن المدن الرومانية آنذاك مثل “نوسيريا”  “وميتابونتوم”، وسيطر عليها بعد أن عاث فساداً فيها..

نسي سبارتكوس وأتباعه الفكرة الأساسية التي خرجوا من أجلها .. نسيوا أنَّ أساس ثورتهم كان التخلص من العبودية كفكرة، نسيوا عمداً أو دون قصد الأهداف السامية للثورة، أغرتهم امتيازات السلطة، وتحولت ثورتهم من ثورة عادلة للمطالبة بحقوق بَشَرٍ عُوملوا كحيوانات لخدمة وتسلية أسيادهم .. إلى شراهة منقطعة النظير للدم والتسلط والانتقام ..

فما لبث قادة جيش سبارتكوس أن حوَّلوا الاحرار في المدن التي سيطروا عليها إلى عبيد .. وأجبروهم  على مصارعة بعضهم بعضا حتى الموت أمام جمهور كبير من العبيد الثائرين، كانوا يستمتعون ويصفقون لآلام ومعاناه العبيد الجدد ويهللون فرحاً بتحقيق الانتقام والنصر المؤزر، في إعادةٍ حرفيَّةٍ للظروف التي عاش فيها هؤلاء العبيد سابقاً، حيث مارسوا على الناس ذات الظلم الذي تعرضوا له وثاروا ضده ،في تناقض صريح ونفاق فج.

لم يُكتب لثورة سبارتكوس النجاح، حيث قرر مجلس الشيوخ الروماني إرسال جيش ضخم مكون من أكثر من 33 ألف جندي بقيادة “ماركوس كراسوس” لمواجهة سبارتاكوس ورجاله، ودامت الحرب بين الطرفين 3 سنوات في بروتيوم في أقصى جنوب إيطاليا .

وذكرت بعض المصادر التاريخية أن سبارتاكوس قد قُتِلَ، على الرغم من عدم العثور على جثته، كما قامت قوات الجيش الروماني بصلب 6 آلاف من العبيد المتمردين، وعرضت جثثهم على طول طريق “أبيان” في روما القديمة..

إنَّ الثورة، عزيزي القارئ، هي مفهوم سامِ ، لا يمكن أن يلوَّث بالثأر والانتقام، ولا يُسمح بالثأر في أدبيات الثورة ومبادئها، أي أن يكون الثائرُ صورة مكررة عن الظالم الذي ثار عليه .. ولا يُقبَل منه أن يرتكبَ ذات الجرائم ونفس الانتهاكات مهما كانت الحجج والمبررات ..

الشَّرعيَّة الثَّوريَّة لا تُكتسب بالسلاح ولا بحناجر المريدين والمؤيدين، بل تكتسب بالالتزام الكامل بمبادئ الثورة في تحقيق العدل والإنصاف .. أما عن محاسبة المجرمين السابقين، الأمر الذي يدخل حتما في إطار تحقيق هذه العدالة، فلا يمكن ولا بأي حال قبول تنفيذه بذات الطرق التي استخدمها الظالم سابقا  .. بل في إطار الدولة و مؤسساتها وتحت مظلة شرعيتها وقضائها. وكلُّ ما دون ذلك إهانةٌ للثورة ولدماء الشهداء وللسوريِّين جميعاً.

صافي ربوع

ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.

  • phoynixeu_p4y3yvxn

    Related Posts

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    بقلم: وائـــل الــراوي عن مصدر إعلامي: مظلوم عبدي بدلاً من الجولاني/الشرع تجري وراء الكواليس، مباحثات سرية غير مُعلنة بعد، بين الأطراف العديدة الفاعلة في المنطقة، تتناول فكرة تعيين مظلوم عبدي-…

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    إعداد : وائــل الــراوي في تصريحات له في وسائل إعلام إسرائيلية، كرَّر نتنياهو ما سبق أن قاله مراراً بأنَّ حكومته مستمرة في المضي قُدُماً في رغبتها بتغيير وجه الشرق الأوسط.…

    You Missed

    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    • By
    • يوليو 21, 2025
    • 244 views
    ما وراء الكواليس: مظلوم عبدي بدلاً من الشرع

    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    • By
    • أبريل 24, 2025
    • 328 views
    الإرهاصات السياسية والدبلوماسية لإسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط

    الحكّام في الشام

    • By
    • أبريل 4, 2025
    • 360 views
    الحكّام في الشام

    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    • By
    • أبريل 1, 2025
    • 343 views
    موقفُ إدارة ترامب من سياسة الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا:

    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    • By
    • مارس 31, 2025
    • 297 views
    [وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”،  تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))

    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!

    • By
    • مارس 30, 2025
    • 322 views
    على أعتاب تحوُّلات مفصليَّة، تعامَلْ مع المُتاح بواقعيَّة..!!