بقلم: فيكتور إميسايان

يتم تداول تعبير “جرائم حرب” كثيراً،، وخاصةً هذه الأيام مع ما حدث من مجازر وانتهاكات وجرائم في الساحل السوري على يد الفصائل الإرهابية الطائفية المسلَّحة، وبعضِ “فلول النظام”، ورجال الأمن السوري غير المنضَبِطين، كما أقرَّ أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا.
على إثر هذه الأحداث والتَّنديد الدَّولي بما حدث والمطالبة الدوليَّة بمعاقبة المرتكبين، أنشأت الإدارة السوريَّة لجنةً لتقصِّي الحقائق مع بعض التنسيق مع مجلس الأمن. ولكن ،كما بدا، كانت شبه تمثيلية وتزوير وتحريف في الحقائق. مهما يكن من أمر، حسنٌ أن نعرف ما هي الارتكابات التي تُصنَّف كـ “جرائم حرب” ومن الذي يحدِّد صفتها هذه، ومن وكيف تتمُّ معاقبة من يرتكبها.
عادةً يقومُ المدَّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق بشأن ما يكون قد حصل، للتَّحقق مما إذا كانت هناك جرائم حرب قد ارتُكبت أم لا. وأول مرحلة تكون “البدء بجمع الأدلة”، ثم ينظر المحقِّقون في الادِّعاءات. وإذا كان هناك دليل، سيطلب المدَّعي العام من قضاة المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة إصدار أوامر اعتقال لتقديم الأفراد إلى المحاكمة في لاهاي.
صحيحٌ أنَّ الجرائم التي تحدث خلال الحرب نعتبرها عموماً وبشكل بديهي “جرائم حرب”، ولكن ليس الأمر هكذا دولياً، فللحروب قواعد حدَّدتها جهات دوليَّة مختصَّة.
تعريف “جرائم الحرب”:
جرائم الحرب هي تلك الانتهاكات لقوانين الحرب أو القانون الدَّولي، التي تُعرِّض شخصاً للمسؤوليَّة الجنائيَّة الفرديَّة. وقد كان الإغريقُ القدماءُ من بين أول الذين وضعوا قوانين وقيود للحروب واعتبروا تلك القيود والمحظورات قانوناً. ومع مرور الأيام، صار المصطلح “جرائم حرب” يشير إلى “جرائم انتهاك قوانين الحرب وأعرافها، بما في ذلك قتل مدنيِّين في أرض محتلَّة أو إساءة معاملتهم أو إبعادهم، وقتل أسرى حرب أو التنكيل بهم، وقتل رهائن، وسلب ملكية خاصَّة، والتَّدمير غير الضروري عسكرياً”.
في الواقع، لم يتبنَّ المجتمعُ الدولي فكرة المعاقبة على جرائم الحرب بسهولة، وإنما مرَّت هذه الفكرة بمراحل عدة، وصولاً إلى زمننا الحاضر. و صار مرتكبو جرائم الحرب يُطبَّق عليهم القانون الدّولي الحديث، المتعلّق بمبدأ الجريمة الدولية وما يسفر عنه من تحميلهم المسؤولية الجنائية، والحُكم عليهم بأشد العقوبات.
أنواع جرائم الحرب:
وبحسب المعاهدات الدولية التي نظمت قوانين الحروب، هناك أنواع للجرائم:
أولاً: تعذيب الأسرى أو إساءة معاملتهم أو إعدامهم. الجرائم الموجهة ضد المدنيين كاغتصاب النساء والتعدي على الممتلكات الشخصية. التشغيل والتهجير القسري، والتعذيب والإبادة الجماعية.
ثانياً: جرائم ضد السلام. وهي كل عمل يتضمن التخطيط والتجهيز والإعداد لشن حرب عدوانية، أو البدء بمثل هذه الحرب، أو أي حرب. ومنها خرق المعاهدات والاتفاقات الدولية أو التعهدات المُعطاة، أو المشاركة في خطة أو مؤامرة تهدف إلى اقتراف مثل هذه الأعمال.
ثالثاً: جرائم ضد الإنسانية. تشمل جرائم القتل والإبادة والتعذيب والتهجير والإبعاد والاستبعاد والإرهاب والاعتقال غير الشرعي والاضطهاد، لأسباب سياسيَّة أو دينيَّة أو عرقية، سواء كانت فرديَّة أو جماعيَّة، ويلحق بهذه الأعمال، تلك الشبيهة بها التي تُقترَف ضد المدنيِّين في المناطق المحتلة.
وبالتالي، فكل شخص يرتكب أو يشترك في ارتكاب جريمة حرب، يتعرَّض للمساءلة ويستحق العقاب طبقاً للقانون الدولي، حتى ولو كان رئيس دولة. وبالطبع، فإنَّ كلَّ متَّهم بجريمة دوليَّة له الحق بمحاكمة عادلة طبقاً لأحكام القانون الدولي.
بالطبع هناك فارق بين جرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية. وعندما يتم برهان أيِّ منها تأتي العقوبة (أو العقوبات) حسب نوع كل جريمة.

مَن يحاكمُ المتَّهمين بارتكاب جرائم حرب؟
اليوم بات لمحكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC) دوران منفصلان في التعامل مع القضايا وفقاً لقواعد الحرب: فمحكمة العدل الدولية تفصل في النزاعات بين الدول، لكنها لا تستطيع محاكمة الأفراد. وإذا ما حكمت محكمة العدل الدولية ضد دولةٍ ما، فسيكون مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مسؤولاً عن إنفاذ ذلك الحكم. أما المحكمة الجنائية الدولية، فتحقق في قضايا مجرمي الحرب الأفراد الذين لا يمثلون أمام محاكم الدول الفردية.
أشهر محاكمات “جرائم الحرب”:
إثر مقتل عدة ملايين من الأشخاص، معظمهم من اليهود، على يد ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وإساءة معاملة المدنيين وأسرى الحرب على حدٍّ سواء، عمدت قواتُ الحلفاء إلى مقاضاة الأشخاص الذين يَعتقدون أنهم مسؤولون عن ذلك، عبر ما عُرف بـ”محاكمات نورمبرغ”، وهي عبارة عن سلسلة من المحاكم العسكرية التي عقدَتْها قواتُ الحلفاء وفقاً للقانون الدولي وقوانين الحرب. وحققت المحاكمات شهرتها الكبرى نظراً إلى محاكمة مسؤولين كبار في القيادة السياسية، والعسكرية، والقضائية، والاقتصادية في ألمانيا النازية، الذين كانوا ضالعين في التخطيط، أو التنفيذ، أو المشاركة بوجه من الأوجه في “الهولوكوست” الذي يشمل خمسة ملايين إنسان إضافيين من غير اليهود الذين كانوا أيضاً من ضحايا القتل الجماعي للنظام النازي، وغيرها من جرائم الحرب. وأدت محاكمات نورمبرغ في عامي 1945 و1946 إلى إصدار حكم بالإعدام على عشرة من القادة النازيين، كما بدأت عملية مماثلة في طوكيو عام 1948 حيث تم تطبيق حكم الإعدام شنقاً على سبعة من القادة اليابانيين.
وماذا عن سوريا؟
في الواقع، إن المحكمة الجنائية الدولية ليست تابعة للأمم المتحدة، بل هي محكمة تم إقرارها بناء على اتفاقية بين الدول التي وقعت عليها، والتي يبلغ عددها حوالي 122 دولة. ولكنَّ سوريا ليست من الدول الموقِّعة عليها. فهذه المحكمة تحقِّق وتحكم وتصدر أحكاماً على مرتكبي الجرائم في هذه الدول بالذات وفقط. ولكن يمكنها أحياناً أن تحقق في ملفَّات الجرائم التي يُحيلُها لها مجلسُ الأمن إذا شاء.
شهدت سوريا في الآونة الأخيرة “جرائم حرب” كثيرة، إذ أن الصليب الأحمر يصنف سوريا على أنها منطقة نزاع. وهذه الجرائم موثقة. ولكن إن كانت سوريا ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، فهل يعني هذا أن تلك الجرائم ستمر بدون محاكمة أو محاسبة من ارتكبها؟ في الواقع، لا. لن تمرَّ هذه الجرائم بدون عقاب. وهناك عدة وسائل يتم بها ذلك، إن لم يطلب مجلس الأمن من المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في القضية. وهذه الوسائل هي:
1- إذا شاءت الإدارة السياسية في سوريا أن تُحاسِب جدِّياً وحقيقةً المرتكبين لجرائم الحرب في سوريا، أياً كان هؤلاء، كما وعد الشرع شخصياً (نظرياً)، فيمكن للسلطة إدراج أو تضمين “جرائم الحرب” هذه، وغيرها، في قوانينها الداخلية وفي مواد قانون العقوبات الخاص بسوريا، كما فعلت ألمانيا والنرويج والسويد. وهذا ما يُسمى “الصَّلاحية العالميَّة”، فالحكومة السورية، بسلطاتها المختصة، تحقق في الجرائم وتعاقب مرتكبيها.
2- كما يحدث حالياً، عند إثبات البرهان على من ارتكب تلك الجرائم في سوريا، فيمكن للمجتمع الدولي، وأمريكا ضمناً، كما فعلوا قبلاً إذ أصدروا قانون عقوبات (قيصر) ضد النظام السابق (ومددوه لسنوات إضافية الآن)، فرض عقوبات على سوريا، قد لا تكون عسكرية بل اقتصادية ودبلوماسية، كما قررت الإدارة الأمريكية مؤخراً بعد تلك الجرائم التي ارتُكِبَت في الساحل السوري ومناطق أخرى.
3- وأيضاً كنوع من العقوبة، ستلجأ الدول العربية، التي كانت مؤيدة للإدارة السياسية الحالية في سوريا، إلى فرض عقوبات ومقاطعة على سوريا، أو على الأقل عدم مساعدة الإدارة الحالية في التعافي من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعانيها سوريا، وذلك ما لم يتمَّ إجراء تحقيق جدِّي في الجرائم ومعاقبة مرتكبيها.
4- وهناك أيضاً وسيلة رابعة، ويُفترض ويجب أن تسعى إليها الإدارة السياسية الحالية، ألا وهي تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا. وهذه مسألةٌ حاسمةٌ وضرورية من أجل كشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكِبت، وإنصاف الضَّحايا، وإحقاق العدالة، وضمان عدم تكرار هذه المآسي، وصولاً إلى المصالحة الوطنية.

يومَ أقدمَ قايينُ (قابيل) على تلك الفِعلة الشَّنعاء، وارتكب جريمته النكراء، فقَتَلَ أخاه هابيل، ظُلماً وحَسَداً، ولم يكتفِ بفعل تلك الجريمة البشعة، بل ترك أخاه ملقىً في العراء، معرَّضاً للهَوام والوحوش، ما يدل على قساوة قلبه، وشنيع فعله، صرخ اللـهُ تعالى قائلاً لقايين: “أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟ مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ“.
هكذا صنعَ أيضاً أولئك المجرمون في السَّاحل السوري، إذ قتلوا المئات من إخوتهم في الوطن بدمٍ بارد في مجازرَ طائفيَّة. نحن نؤمن، وبكل ثقة، أن العدل يجب ولا بد أن يُجرَى في الأرض، وأنَّ البغي والظلم والقتل يجب التعويض عنها مهما كلف الأمر. وهذا ما نأمل به، فتستقرّ بلادُنا وتهدأ النُّفوس المكلومَة المظلومَة ويُستعاد الأمن والأمان والثقة بين المواطنين معاً، وبين المواطنين والدَّولة. واللـهُ وَلـيُّ التَّوفِيق.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
