
قد يبدو بديهياً جداً لأي شخص بسيط متابع للشأن السياسي السوري .. أنَّ الحل في سورية- ومع التنوع الطائفي والعرقي الكبير- هو دولة فيدرالية اتحادية. لكن المؤيدين لما يسمى “هيئة تحرير الشام أو “إدارة العمليات” يعارضون هذا الطرح أيضاً .. رغم أنه ليس فيه قيد أنملة من شبهة تجاه الدين والمتدينين.. فما هو نظام الحكم الفيدرالي وكيف يمكن تنظيم المقاطعات في سورية فيدرالياً وما هي الأمثلة الناجحة عالميا للفيدرالية؟

النظام الفيدرالي في الحكم
هو نمط من أنماط التَّنظيم السِّياسي والمؤسَّساتي للدول، تتَّحد بموجبه مجموعة وحدات سياسية مستقلة (مقاطعات، ولايات) في دولة فيدرالية واحدة، على أن تتمتع الوحدات السياسية باستقلالية واسعة في تدبير شؤونها وبهياكل مؤسساتية مستقلة تماما عن الحكومة الفيدرالية، مع أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تبقى محكومة بمبدأ تقاسم السلطة والسيادة، بحيث تؤول للحكومة المركزية السلطات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع، كما تتولى جميع الشؤون المالية كتحصيل الضرائب ووضع الموازنة الفيدرالية، ويكون للوحدات السياسية الفيدرالية نصيب من عائدات الضرائب والنشاط الاقتصادي والاستثماري الذي يتم على أراضيها.

سوريا الفيدرالية
مع التنوع الطائفي المذهبي والاثني الكبير في سوريا يصبح نظام الحكم الفيدرالي حاجةً وضرورةً في سوريا وليس نوعاً من الرفاهية أو الكلام السياسي المرسل. فلو فكَّرنا كسوريِّين بشكل واقعيّ سنعرف بأن هذا المجتمع غير المتجانس أساساً قد مزَّقته الحرب والثارات والحقد الطائفي والعرقي. وإنَّ في ممارسات النظام البائد في مجزرة التضامن في دمشق، وغيرها عشرات المجازر ضد المنتمين للطائفة السنية، وفي ممارسات ما يُسمَّى بـ “الهيئة/هيئة تحرير الشام” الآن في المناطق العَلَويَّة، من إذلال وتنكيل وخطف وقتل، ومن خطاب عنصري تجاه المكوِّن الكردي المتمثِّل بما يسمى “قسد”، خيرُ دليلٍ على ذلك.
فهذا ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية ويحطم محلات المشروبات الكحولية ويمنع الناس من الاختلاط ويقتحم أحياء مسيحية باستفزاز منقطع النظير لنشر ما يسمى بالدعوة، وذاك ينادي بالعلمانية ومدنية الدولة والمجتمع. والآخر ينادي بحقوق الأكراد في بناء دولتهم وتقرير مصيرهم. وفي جنوب البلاد ينادي الدروز بمراعاة خصوصيتهم في الدولة الجديدة. ناهيك عن المسحيين المتخوفين أصلاً من أي تغيير سياسي في البلاد لمصلحة أي طرف. فالحلُّ الوحيد أمام هذه المعضلة الوجودية هو فيدرالية الدولة.
فمن ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، فليطبقها في مقاطعة إسلامية.
ومن ينادي بحقوق الأكراد، فليطبق ذلك في مقاطعة كردية.
ومن ينادي بالعلمانية والمدنية، فليطبقها في مقاطعة علمانية.
هذا لا يعني على الاطلاق تغيير التوزيع الديموغرافي في سوريا. فالمواطن السني الذي يريد البقاء في المقاطعة العلمانية يمكنه ذلك ولن يُهَجِّره أحد وستضمن له الدولة العلمانيَّة حريةَ الاعتقاد وحرية التعبد، وستكون صلاتُه ومساجده محميَّة مُصانة بحكم الدستور المركزي للبلاد والدستور الفيدرالي للمقاطعة العلمانية. أما عن الطوائف الأخرى التي قد يصادف وجودها في الدولة الإسلامية، فهم يملكون خيار البقاء في منازلهم تحت الحكم الإسلامي، أو الهجرة إلى المقاطعة العلمانية أو حتى الكردية. ويبقى ذلك أيسرُ بمراحل من الهجرة إلى أوروبا أو أستراليا في حال تطبيق الشريعة الإسلامية في عموم البلاد.

إن الفارق الجوهري بين الفيدرالية والتقسيم، كما أسلفنا، هو أنَّ خيرات البلاد من مشتقات نفطية وموارد سياحية وضرائب ستوزع على جميع المقاطعات بالتَّساوي إضافةً إلى أنَّ المواطن السُّوري يمكنه التَّجول والتَّنقل في المقاطعات السُّورية جميعاً دون قيد أو شرط، وله حق العيش والاستثمار في أية بقعة جغرافية داخل “الجمهورية السُّورية الاتحادية”، في حين أنَّ التَّقسيم يؤدي الى تفتيت الدولة إلى دويلات متناحرة يسودها الجوع والفقر والتخلف دون أية وسيلة للنهوض والتطور، باستثناء بسيط لشرق الفرات، الذين يملكون الخيرات. لكنهم، بدون سُوقٍ حقيقيَّة يضمنها لهم البحر المتوسط، سيبقون مراوحين في اماكنهم دون أي تطور.
أمثلة عالمية فيدرالية ناجحة
الولايات المتحدة الأميركية
قد تكون بلاد العم سام هي المثال الفيدرالي الأكثر شهرة ونجاحاً عبر العالم .. بلاد المال والاعمال والسطوة الاقتصادية والعسكرية على العالم ككل لا تحتاج إلى تقييم أو شرح .. يكفي أن نعرف أن الفيزا إلى أميركا هي حلم لكل مواطن عربي حتى لو أنكر ذلك ..
ألمانيا
الأُمَّة الذي ذاقت ويلات الحرب .. وشربت من زعاف التقسيم .. حطمت جدار برلين (الفاصل بين الألمانيتين) وتوحَّدت تحت نظام فيدرالي برلماني ناجح جداً .. ألمانيا هي مقصد معظم اللاجئين في العالم إيماناً منهم بأنها المكان الآمن للانطلاق من جديد.
جمهورية النمسا الاتحادية
في نظامٍ مشابه إلى حد كبير لجارتها ألمانيا، تتكون النمسا من تسع مقاطعات اتحادية وعاصمتها الاتحادية فيينا. تتوزع الثروات بين جميع المقاطعات التسع. وتُعد مقاطعة “تيرول” أجملها وأغناها.
الإمارات العربية المتحدة
نموذجٌ فيدرالي اتحادي ناجح على مستوى منطقة الشرق الأوسط .. جعل من إمارة دُبَي على وجه الخصوص وجهةً سياحيَّة واستثماريَّة لمختلف جنسيات العالم .. دبي، التي تتميَّز بانفتاح وتحرر منقطعيّ النَّظير، تقع في نفس الدولة مع إمارة الشارقة التي تخالفها في الكثير من التفاصيل دون أن يحاول أحد منهما فرض أسلوبه على الآخر.
بالإضافة إلى عشرات الأمثلة الأوروبية والعالمية .. تبرز الفيدرالية كحل حقيقي ووحيد للاستعصاء السياسي الجاثم على صدور السوريين.. وعلى من يرفض هذا الحل أن يراجع أجنداته .. فهل هي أجندات سورية حقاً؟ كما عليه أن يراجع مطالبه الثورية المحقة في الحرية والكرامة .. فليس من الثورة والحرية في شيء أن تفرض مُعتقدَك ورأيَك وتطلُّعاتك على الجميع بحجة أنك تمثِّل الأغلبية ..
صافي ربوع
ملاحظة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
