
لا يوجد مجال للشك بأن كل انسان يعيش تحت سماء البقعة الجغرافية التي اسمها سوريا قد عانى الأمرين من النظام البائد باستثناء الحاشية المقربة لآل الأسد وأمراء الحرب والقادة.
ولا شك أيضا أن الطائفة السنية الكريمة كان لها النصيب الأكبر من القمع والظلم والقتل والتشريد والاغتصاب والقصف والبراميل والأسلحة الكيماوية والتغيير الديموغرافي بمسح احياء وقرى بأكملها .. لقد تعرضت الطائفة لشتى انواع الإجرام حتى بات أزلام النظام السابق يتفنَّنون في اختراع أساليب جديدة، وفي مجزرة حي التضامن الدمشقي ومجزرة حماة الكبرى 82 مثال على ذلك.
أما الطائفة العلوية الكريمة – والتي يصر البعض على ربطها بالكامل بالنظام البائد- فعانت هي الأخرى من اجرام هذا النظام بأشكال مختلفة كما عانت من الصراع الذي دار في سوريا .. فكان لها عدد كبير من الضحايا قضوا بالسيارات المفخخة وقذائف الهاون وفي مدرسة عكرمة المخزومي للأطفال (في حمص) مثال يحاول البعض تناسيه ..

أما الطائفة المسيحية الكريمة .. فكانت كمن لا ناقة له ولا جمل، نابها شر زمرة من المجرمين من الطرفين، دون أن تطال لا عنب الشام ولا بلح اليمن .. فعندما يقصف النظام على معارضيه يصيب المسيحيين “بطريقه” وعندما تردُّ المعارضة على النظام واحيائه “تصيب المسحيين في دربها”.
الكل يطالب بمظلوميته ويريد حق أبناءه .. مع أن المكونات الثلاثة السابقة ومع كل الاحترام كانت وفي الغالبية العظمى لأبنائها قبل 2011 متعايشة مع النظام ترفع صوره وتهتف له وتنتخبه بالدم وتنصبه بالغار ، وهذه حقيقة لا داعي لمناقشتها أو استحضار أمثلة عليها.

أما المكون الوحيد الذي كتب عليه الشقاء قبل الثورة وخلالها وبعد نجاحها فهو المكون الكردي .. الاخوة الأكراد السوريون الكرام .. وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري عبر التاريخ منهم من يعتنق الإسلام ومنهم من يعتنق المسيحية ومنهم من يعتنق الأيزيدية..
واجهوا قمع النظام البائد منذ تسعينات القرن الماضي، حيث سقط أول ضحية كردي- سوري في عهد الأسد الأب عام 1990 وهو “سليمان أدي بنوروز” أمام القصر الجمهوري في دمشق خلال تظاهرة سلمية للمطالبة بحرية الاحتفال بالعيد القومي الكردي.
كما وقعت مجزرة سجن الحسكة عام 1993 التي حصدت أرواح ستين سجيناً من الكرد لأسباب عنصرية ..

وشهد العام 2003 تنظيم مجموعة من الأكراد السوريين اعتصاماً، شارك فيه 200 طفل من الأكراد المجردين من الجنسية (أجانب الحسكة)، أمام مقرّ اليونيسف في دمشق في 25 حزيران 2003، للمطالبة بإعادة الجنسية السورية لهم، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد حتى يتمكنوا من التعلم بلغتهم الأم. وفي ذلك الاعتصام تعرض الاطفال للاعتقال، وحكم عليهم بالسجن لفترات متفاوتة، فضلاً عن ملاحقة آخرين. أي أن نظام الأسد كان يحرم أكراد سوريا حتى من الجنسية واعتقل أطفالهم قبل اعتقال أطفال درعا بثمانية أعوام تقريبا ..

في 12 آذار من العام 2004، اندلعت الانتفاضة الكردية في مدينة القامشلي في ريف الحسكة، وخلالها أحرق المتظاهرون الأكراد المكتب المحلي لحزب “البعث العربي الاشتراكي”، الأمر الذي قابله النظام وأجهزته الأمنية ووحدات الجيش، التي أرسلها إلى هناك بأوامر مباشرة من السيء الذكر “ماهر الاسد” بالقمع المفرط، فقُتِل أكثر من 100 شخصاً من أبناء القامشلي، بينما أُصيب أكثر من 300 بجروح متفاوتة . وبلغت الأحداث ذروتها عندما قام المتظاهرون في القامشلي بإسقاط تمثال حافظ الأسد. تدخل جيش النظام حينها بسرعة، ونشر الآلاف من القوات، مدعومة بالدبابات وهبطت المروحيات في المدينة ومحيطها لاستعادة أجهزة الأمن السيطرة عليها. وأثناء عمليات الدهم، التي تلت تلك الأحداث، اعتقل النظام قرابة 5000 كردي سوري ..

وشرارة هذه الانتفاضة انطلقت من مباراة بين فريقي الجهاد والفتوة في إطار الدوري السوري في القامشلي على أرض فريق الجهاد .. حيث رفع جمهور الفريق الضيف (العرب) صور “صدام حسين” في الملعب مع هتافات عنصرية .. والمعروف أن صدام حسين كان قد ارتكب مجزرة بشعة ضد كورد العراق بحملته التي أسماها بحملة الأنفال محاولا استخدام اسم سورة في القرآن الكريم لتبرير فعل جريمته .. استخدم صدام حسين الأسلحة الكيماوية وتسببت هذه العملية بمقتل 180 ألف كوردي عراقي!
من رفع صور صدام – الذي كان قد أُعدم قبل سنة – كان العرب المؤيدون لبشار الأسد حينها .. فمعروف مدى الخصومة بين البعثين المجرمين في بغداد ودمشق .
الأكراد الذين حرم معظمهم أيام النظام البائد من أبسط حقوق المواطنة ألا وهي الهوية السورية .. الذين حرموا من تعلم لغتهم .. حتى التحدث باللغة الكردية علنا كان يؤدي إلى أقبية الأفرع الأمنية للنظام المجرم ..
دون أن يفكر أحد من مؤيدي الأسد أو معارضيه أن يذكر الأكراد ولو بكلمة على سبيل المجاملة .. خرج الأكراد في مظاهرات في بداية الثورة السورية وتعرضوا أيضا للقمع والاعتقال .. وسقطت أولى الضحايا الكردية السياسي “مشعل تمو”. والذي اغتالته قوات النظام في مسقط رأسه مدينة القامشلي.

عانى الأكرد أيضا من بطش “داعش” التي سيطرت على المنطقة الشَّمالية الشرقيَّة في عام 2014 .. ولا داعي لذكر تفاصيل السبي وقطع الأعناق والحرق بالنار !
فبعد أن تخلى عنهم الجميع لم يجد كورد سورية الا التحالف مع الغرب للانتصار على أعتى تنظيم إرهابي في العالم .. وضمان أمنهم وأمن أطفالهم ونسائهم .. وشكلوا قوات عسكرية سميت بقوات سورية الديمقراطية “قسد”.

مع اختلافي الشخصي السياسي الكبير مع توجهات قسد وطريقة إدارتها للأمور وارتهانها لتوجيهات الخارج .. لكن التخلي والتخوين من الجميع ما زال نفسه .. ففي أيام النظام البائد وُصِفُوا بالخونة الانفصاليين من قِبَل الأسد وزبانيته .. مع أن جيش الأسد لم يكلف نفسه عناء محاولة التصدي لداعش وحماية الكورد .. أما وبعد انتصار الثورة .. وفي خطاب عنصري فج يتوجه أنصار الجولاني للأكراد بتسميات ” البويجية ” ويريدون منهم أن يسلِّموا سلاحَهم وعليهم الأمان ..
يرفض الأكراد ذلك .. وأعتقد أن حجتهم مقنعة جداً .. فهم لا يريدون أن يسمحوا للجولاني وأتباعه بإذلالهم بعبارات “عوي ولاك”، لأنه وعلى رأي المثل الشعبي “من يجرب مجرب عقلو مخرب”.
صافي ربوع
ملاحظـة: الآراء الواردة في المقالات تمثِّل آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف أو رأي أسرة التحرير للجريدة.





![[وجهة نظر] : بعد الكثير مِن “ننتظرُ ونَرى”، تشكيل الحكومة في ((سوريا الوسطى))](https://syrianstoday.com/wp-content/uploads/2025/03/N-0.jpg)
